الصفحة 17 من 18

الفتوى أن القاضي عبد الوهاب كان بعيد النظر، مراعيًا مصلحة المسلمين فضلًا عن روح الاحتياط والحذر من الغدر بالمسلمين أكثر من الاهتمام بأسر مجموعة من أفراد العدو، يمكن أن يلعبوا دورًا مخربًا يضر بمصلحة الجماعة الإسلامية.

وفي نازلة أخرى استند الونشريسي على حكم القاضي عبد الوهاب في مسألة هامة تتعلق بإمكانية المسلمين القيام بشن غارات على أطراف مراكز العدو الذي دخل معه السلطان المسلم في صلح، مع بقاء بعض المناطق الساحلية في يد العدو، فكان جواب النازلة -استنادًا على رأي القاضي عبد الوهاب- إجازة الجهاد [1] ، وهو جواب يدل على الحِسّ المرهف الذي كان يشعر به هذا الأخير تجاه أمته الإسلامية والترجمة الأمينة لمشاعر المسلمين تجاه العدو النصراني، ولو كان في حال صلح مع سلطان المغرب.

3 -في مجال المعاملات الاجتماعية:

من بين المشاكل الاجتماعية التي كانت تُطرح في الأسواق المغربية، مسألة البيع بالغبن، أو البيع المضغوط الذي يكون البائع ضحيته نتيجة لإكراهات اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، وهي المسألة التي تعرّض لها فقهاء المغرب والأندلس، وأفردوا لها أبوابًا خاصة تشمل مجموعة من الأحكام التي صِيغت حفاظًا على مصلحته، وفي هذا الصدد شكلت كتب القاضي عبد الوهاب مرجعيات أساسية لفقهاء المغرب، ولا غرو فقد استند عليه الونشريسي حين تعرض لمسألة البيع بالغبن، خاصة في كتاب (المعونة) الذي أورد فيه قيام بعض الباعة البغداديين بالغبن المسترسل [2] ، وبالمثل اعتمد عليه كذلك في مسألة خلط الزيت بالخل والعسل باللبن، حيث جوّز هذا الخلط ما لم تكن نتيجته تؤدي إلى حالة السكر [3] .

وفي نفس المجال -مجال المعاملات الاجتماعية- استعان الونشريسي بالقاضي عبد الوهاب في تحريم وصل الشعر عند المرأة، ووَصْل الشَّعْر معناه: أن تقطع امرأة جزءًا من شعر رأسها، وتعطيه لامرأة ثانية، وقد برر منعه -استنادًا على حكم القاضي عبد الوهاب- الذي اعتبره ضربًا من التدليس [4] .

من حصاد هذه المجموعة من النوازل التي اعتمد فيها الونشريسي وغيره من فقهاء المغرب والأندلس على القاضي عبد الوهاب، يتضح مدى الثقة التي وضعها فيه هؤلاء، كما أن التجاءهم إلى

(1) نفسه، ج2، ص208.

(2) نفسه، ج5، ص376.

(3) المعيار، ج11، ص83.

(4) نفسه، ج11، ص146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت