الصفحة 16 من 18

مطابقًا لما أفتى بها القاضي عبد الوهاب من أن الثوب إذا كان رقيقًا يُفسده الغسل فإن ذلك لا يستلزم غسله، ويمكن للمسلم أن يصلي به [1] ، ولعل هذه الفتوى تُبرز مراعاة القاضي المذكور ضرورة المزج بين المحافظة على أحكام الشريعة ودفع الضرر عن المسلم.

من جهة أخرى نجد فقيهًا مغربيًّا آخر هو سيدي محمد بن مرزوق يعتمد بدوره على حكم القاضي عبد الوهاب في أن الجمع بين الصلاتين في السفر لا يختصّ بالمسافة الطويلة، علمًا بأن مجموعة من علماء الغرب الإسلامي كانوا قد سبقوا سيدي محمد بن مرزوق في اعتماد نفس حكم القاضي عبد الوهاب كالفقيه الباجي وابن محرز واللخمي [2] ، ولعل إجماع المشايخ المغاربة على أحكام هذا القاضي واستقاء فتواهم منه دليل على رسوخ قدمه ومكانته في مجال الإفتاء من جهة، وحجة على الصلات التي كانت تجمعهم بهذا الشيخ البغدادي من جهة أخرى.

وفي مجال العبادات دائمًا طرحت في نوازل المغاربة قضايا أخرى تم الاستناد فيها على القاضي عبد الوهاب، نذكر من بينها استناد الفقيه الونشريسي على فتواه حول عدد البيوتات التي تستلزم إقامة صلاة الجمعة داخل ثرية معينة، فبعد أن بين حكم الإمام مالك الذي يرى أن: (الجمعة لا تجب إلا في القرية الكبيرة المتصلة البنيان التي فيها الأسواق) ، يردف إلى هذا الحكم حكم القاضي عبد الوهاب بأن معيار وجوب إقامة الجمعة في قرية من القرى يستلزم أن يكون أهلها من العدد الذي يمكنهم الصلاة وتتقرى بهم القرية [3] .

2 -في مجال العلاقات مع دار الحرب:

شكلت العلاقات بين دار الإسلام ودار الحرب اهتمامًا في أوساط فقهاء المغرب والأندلس، وكثيرًا ما أثارت هذه العلاقات إشكاليات معقدة طرحت عليهم، فكانوا يستأنسون بفتاوى القاضي عبد الوهاب البغدادي، من ذلك على سبيل المثال اعتماد الونشريسي عليه في مسألة الرهائن المشركين الذين يدخلون الإسلام هل يردون إلى أصحابهم، وهو ما يتجلى في قول هذا الفقيه المغربي: (فإن رأيت في المعونة وفي الإشراف لعبد الوهاب في كتاب الجهاد -حين ذكر أخذ المسلمين رهائن من المشركين، وأسلموا بين أيدينا أنا نردهم إليهم، ولا يجوز لنا حبسهم خلافًا لمن أبى ذلك- ما نصه: ولأنا إذا لم نردهم لم نأمن من غدرهم بالمسلمين؛ لأنهم إنما يُتهمون ما داموا على دينهم) [4] ، وواضح من هذه

(1) نفسه، ص82.

(2) نفسه، ج1، ص204 - 205.

(3) المعيار، ج1، ص225.

(4) المعيار، ج2، ص109.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت