وعلاوة على إسناد مناصب للفقهاء المالكيين، ركزت الدولة تشريعها القضائي وفق المذهب المالكي، وشددت على ضرورة الالتزام به نصًّا وروحًا، ففي رسالة بعثها الأمير تاشفين بن علي إلى أهل بلنسية بعد استرجاعها سنة 495هـ ورد ما يلي: (واعلموا -رحمكم الله- أن مدار الفتيا ومجرى الأحكام والشورى في الحضر والبدو على ما اتفق عليه أنس -رضي الله عنه- فلا عدول لقاضٍ ولا مفتٍ عن مذهبه، ولا يؤخذ في تحليل ولا تحريم إلا به، ومن حاد عن رأيه بفتواه ومال من الأئمة إلى سواه فقد ركب رأسه واتبع هواه) [1] ولدينا من القرائن ما يثبت تدخُّل الدولة ومتابعتها لكل العلوم المخالفة للمذهب المالكي [2] الذي صار محور الدراسة في المساجد [3] .
ودعمت الدولة جهودها بنشر المذهب المالكي في السودان، فمنذ عهد الداعية المرابطي عبد الله بن ياسين، بدأ يتسرب إلى هذه الآفاق البعيدة، حيث تم إرسال الدعاة هناك، فأسلم بعض ملوكها واعتنقوا المذهب وعملوا على نشره بين قبائلهم والقبائل الأخرى المجاورة حتى غلبت التقاليد المالكية بفضل المدارس التي أنشئت هناك [4]
يتّضح مما سبق أن مجموعة من العوامل المتنوعة ساهمت في إرساء مدرسة مالكية بالمغرب والأندلس، فماذا عن علاقة أعلام هذه المدرسة مع القاضي عبد الوهاب البغدادي؟ وذلك ما نتناولة في الشق الثانى من هذا البحث.
ثانيا: علاقة القاضي عبد الوهاب البغدادي بفقهاء المالكية بالمغرب والأندلس:
1 -علاقة تقدير ومحبّة متبادلة:
من الملفت للنظر أن الفقهاء المغاربة والأندلسيين كانوا يُكنّون تقديرًا عظيمًا واحترامًا عميقًا للقاضي عبد الوهاب البغدادي، ولا غرو فقد اعتبره الفقيه المغربي الونشريسي (ت914هـ) من بين الأئمة المجدّدين الذين يبعثهم الله على رأس كل مائه سنة لتجديد دينها وإصلاح أحوالها، فعَدَّه من هؤلاء الأئمة المجددين الذين جاؤوا على رأس المائة الرابعة [5] بينما وصفة النباهي -وهو من قضاه الأندلس
(1) (نصوص سياسية عن فترة الانتقال من المرابطين إلى الموحدين) ، حسين مؤنس، مجلة العهد المصرى للدراسات الإسلامية/ مدريد، 1955، مجلد 1، عدد3، ص112 - 113 والرسالة مؤرخه في العشر الأولى من جمادى الأولى عام 538هـ.
(2) كتاب التشوف، ابن الزيات، تحقيق أحمد توفيق، البيضاء 1984، منشورات كلية الآداب بالرباط ص98، ويذكر أن رئيس ناحية سجلماسة مر علي أبي الفضل النحوي وهو يدرس أصول الفقه فقال: (أرى هذا الرجل أراد أن يُدخل علينا علومًا لا نعرفها فأمر بإخراجة من المسجد) انظر نفس الرواية عند التنبكي، نيل الابتهاج، بيروت (د. ت) ، دار الكتب العلملية، ص350.
(3) (التعليم بالمغرب الأقصى في عصر المرابطين والموحدين) ، حسن علي حسن حوليات كلية دار العلوم بالقاهرة، العام الجامعى 1972 - 1973م، ص75.
(4) الإسلام والثقافة العربية في أفريقيا، حسن أحمد محمود، طبعة 1986 (ط3) ، دار الفكر العربي ص244.
(5) المعيار ن ج10، ص9.