ليست كل استغاثة حرامًا
ومن ظن أن كل استغاثة حرام فهو مخطئ ، فإن الاستغاثة المنفية على نوعين:
الأولى: الاستغاثة بالميت منفية مطلقًا وفي كل شيء .
الثانية: الاستغاثة بالمخلوق الحي الغائب مطلقًا أو الحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الخالق .
ثم إنّ فِعلَ عمر حجة عليكم ، فإنه لم يلجأ إلى الأموات على النحو الذي تفعلونه ولا إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يستغث بأبي موسى من غير أن يكتب له الرسالة ويرسلهما بواسطة جنوده وبريده ، وهل كان عمر ليستغيث به لو لم يكن عنده ما يستحق الاستغاثة ؟
أما أنتم فتستغيثون بالأولياء وتعلمون أنه ليس عندهم ما كان عند أبي موسى لعمر ، وتشهدون أن ليس عندهم النفع الذي تسألونهم ولا دفع الضر الذي تطلبون منهم دفعه عنكم !
? وليس كل دعاء حرامًا ، فقد قال تعالى { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ } أي الله { فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } فالدعاء هنا ليس دعاء عبادة ، فإننا نقيد تحريم استغاثة ودعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ، فمن خلط بين الأمرين فهو مخادع ملبس ، يقال له ما قيل لأهل الكتاب { لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } .
ومن شبهاتهم: ما ذكره الهيتمي من أن الاستغاثة من الله حقيقة والغوث منه حقيقة وإيجاد ، والنبي مستغاث به مجازًا ، والغوث منه تسببًا وكسبًا بمنزلة قوله تعالى { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى } .
الجواب:
? أن هذا المجاز أداة اللعب بالدين ، سبقكم إليه الباطنيون لا السلف الصالح .
? أن الله ما أمر بهذا المجاز المزعوم ، وإنما أمر أن ندعوه هو مباشرة وحقيقة فقال { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } .
? أن هذا مشابهة لمن جعلوا وجود المخلوقات وجودًا مجازيًا ولا وجودًا حقيقيًا إلا وجود الله .
? أن هذا مشابهة للجبريين الذين جعلوا فعل العباد فعلًا مجازيًا بناء على أن وأن وجودهم مجازي ، وسبقوكم بالاستدلال الباطل بالآية ، بينما هي تثبدت الرمي للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتنفي عنه إصابة الرمي .
? ماذا تقولون دام فضلكم فيمن توجه إلى التصاوير والأصنام مجازًا وزعم أن النفع الحاصل منها مجازي وإنما النفع من الله حقيقة ومنها مجازًا ؟!
? أن نقول: من سبق الهيتمي إلى هذا التفسير أم لعله خفي على الأمة حتى خلق الله الهيتمي لينشلنا من الضلال والجهل في تفسير هذه الآية الذي جهله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما حيث لم يذكروا استغاثة مجازية كالرمي على تفسيركم الفاسد لهذه الآية ، أم أنهم علموه ولكنهم كتموه !
الفرق بين الاستغاثة والدعاء
الاستغاثة لا تكون إلا من مكروب ، أما الدعاء فهو أعم من الاستغاثة ، فكل استغاثة دعاء كما أن الدعاء في اللغة نداء وطلب . وهو نوعان: دعاء عبادة ، ودعاء مسألة ، وكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة ، ودعاء مسألة متضمن دعاء العبادة ، على تعريف التضمن أنه دلالة الدليل على بعض معناه .