ولا فرق بين الماء والحجر فكلاهما لا يعقل ، فإذا جاز تسمية الماء مغيثًا على معنى جواز الاستغاثة به لأنه ينقذ من شدة ، فالطعام ينقذ من شدة فيجوز الاستغاثة به ، وهو من النبات والشجر، والوثنيون يعبدون الشجر والحجر، فإذا جازت الاستغاثة بالماء فجوزوا الاستغاثة بالحجر لأنه ينقذ من شدة فإن الله جعله سببًا لنا ينقذنا به من الحر والقر فنتخذ منه البيوت ونحارب به العدو !
هكذا بلغت بهم السفاهة أن يجعلوا الماء مغيثا (اسم فاعل) بمعنى أنه يستغاث به ، كل ذلك ليثبتوا مسئولا مع الله ولو كان ماءًا ولكن: هل منكم من جرب الاستغاثة بالماء قبل أن يأتي بهذه الحجة الواهية ؟
ولكن إذا كان النبي أولى بهذا الوصف فلماذا لم يدع الناس إلى هذا الأولى فعلمنا أن الماء غيث ولم يعلمنا أنه هو - صلى الله عليه وسلم - غيث ؟!
وهذا الحديث حجة عليكم فإنه لما سمى الرسول - صلى الله عليه وسلم - الماء مغيثا لم يستغث به ، ولم يفهم صحابته هذا الفهم السقيم فلم يثبت عنهم الاستغاثة بنبي ولا ولي .
فاعتباركم الماء غوثا لأن اسمه غيث: تلبيس وتمويه . فقد قربكم لفظ الغوث هذا إلى يغوث صنم قوم نوح .
? ومن يدري ! لربما تستغيثون بالماء ، فإذا نزل"المغيث"قلتم: الماء هو الترياق المجرب كما قلتم في قبر معروف الكرخي لأن الفصل بين الحلال والحرام عندكم هو التجربة !
فاثبتوا على الاستغاثة بالماء أيها الظالمون حتى تلقوا الله على ذلك . فأنتم كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه: وما دعاء الكافرين إلا في ضلال .
ومن شبهاتهم: استدلالهم بقوله تعالى { وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ } وزاغوا عن قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } .
ولكن أيستعينون بالصلاة وهم فيها أم يخاطبونها بعد خروجهم منها ؟ هل منكم يا من تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون: من يعترف بأنه وقف يومًا يطلب الاستعانة من الصلاة وهو يصليها أو من الصبر الذي يصبره قائلًا: يا صبر أغثني ، يا صلاة أغيثيني اقضي حوائجي ادفعي كروبي ؟ كيف تستغيثون بالعرض الذي هو صفة لا تقوم بنفسها ؟ أنسيتم قواعد علم الكلام ؟
نوصيكم أن تتدبروا كلام الله { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } { وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } .
ومن من السلف فهم هذا الفهم السقيم ، ولو كان هذا الذي فهموه فهل طبقوه ؟ هل ثبت أن أحدهم كان يطلب العون والغوث من الصلاة ؟
فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور .
ومن شبهاتهم: أن عمر كتب عام الرمادة إلى أبي موسى بالبصرة أن"غوثاه لأمة محمد"فسارع المسلمون إلى إغاثة أهل المدينة لمّا أصابها الجفاف . فقال هؤلاء: أرأيتم كيف استغاث عمر بغير الله [1] ؟
والجواب: والله ما نهينا أحدًا عن الاستغاثة بمثل ما فعل عمر من اتخاذ الوسائل الشرعية ، ولذلك كتب الاستغاثة في رسالة وأرسلها ، ولم يناد في الهواء ، وأرسلها إلى الأحياء القادرين ، ولم يقل: يا رسول الله غوثاه لأمة محمد . وإنما نهينا عن الاستغاثة على طريقة النقشبندية والرفاعية حيث الاستغاثة بالأرواح والأشباح .
أفلا تسألون أنفسكم: لماذا لم يقل عمر: غوثاه يا رسول الله لأمة محمد ؟ لعلكم لا تجهلون هذه البديهيات لكنكم ما تضربون هذه الأمثال إلا جدلًا وتلبيسًا على العوام !
ولا ننسى أن عمر هو الذي عدل عن التوسل بذات النبي - صلى الله عليه وسلم - وجمع جمهور الصحابة عام الرمادة وتوسل أمامهم بدعاء عمه العباس ، فإما أن يكون ذلك تناقضًا منه وإما أن يكون سوء الفهم منكم:
وكم من عائب قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم
(1) صريح البيان 59 .