كان يذهب إلى التحريم. ثم إن هذا الأثر لم يقل"بظاهره"أحد من العلماء ... وإذا كان الأثر متروك"الظاهر"سقط الاحتجاج به" [1] ."
فانظر كيف ردوا قول ابن عمر بما عارضه من أقوال الصحابة الآخرين: فهلا ردوا قول ابن عمر بما عارضه من فعل أبيه أمام جمهور الصحابة حيث تركوا التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وتوسلوا بدعاء العباس في أمر هو أعظم من مجرد خدر الرجل ألا وهو وقوع الجفاف والجدب ؟
لكن الصحابة لم يستغيثوا به بل تركوا التوسل به بعد موته، وهذا إسناده أصح من إسناد قصة خدر رجل ابن عمر وعليه جماعة الصحابة الذين هم أولى بالأخذ من فعل فرد يخالفهم على فرض صحته وصحة الاستدلال به حيث إن الأثر لا يفيد الاستغاثة أصلا وإنما تذكر الحبيب كما قال له الرجل"أذكر أحب الناس إليك".
هل ثبتت يا النداء في كلم ابن تيمية ؟
أما عن ورود لفظ النداء (يا محمد) في كتاب الكلم الطيب لابن تيمية ، فقد صرح الألباني بأنه آثر إيرادها حرصا على الأمانة العلمية لأنه وجدها في بعض المخطوطات دون البعض الآخر، فطرأ الشك في صحة نسبتها إلى مؤلفها، وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال .
فالرواية رواية سفيان ، وهي التي لم تتضمن لفظ النداء أصلا. وقد استغل الذين في قلوبهم زيغ هذا المحتمل المتشابه فتجاهلوا ما صرح به الألباني من أنه وجد لفظ النداء مثبتا في بعض المخطوطات دون بعض .
? أما إلزامنا بتكفير ابن تيمية على فرض صحة إثبات ( يا ) النداء ، فليست الياء للاستغاثة بل لذكر المحبوب ، ثم على افتراض زلة ههنا فكتبه مملوءة في النهي عن الاستغاثة بغير الله مما يؤكد أنه لم يفهم من ( يا ) النداء بمعنى الاستغاثة .
ثم منذ متى يُكفّر من يروي المناكير والغرائب ؟ هذه كتب السنن تحوي الروايات الموضوعة المخالفة لأصول العقائد كحديث"إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد" (رواه أحمد في السنة 1/301 والخطيب في تاريخه 1/295 ) . فقد تتضمن كتب المحدثين روايات لا تمثل بالضرورة موافقتهم لها، فهذا مسند أحمد نجد فيه يروي في مسنده رواية تجيز الاستعاذة بغير الله وهي قول حسان البكري"أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد"غير أن البخاري والخطابي رويا عنه ما يخالف ما تضمنه مسنده قال الخطابي"كان أحمد يحتج لحديث"أعوذ بكلمات الله التامات"بأن النبي لا يستعيذ بمخلوق" [2] . ولو كان كل من يروي شيئًا من ذلك كافرًا لحكمنا بكفر أحمد والبيهقي وغالب المحدثين .
ثم نحن لا نكفر كل من زلت قدمه ، فقد يقول المؤمن كفرًا ولا يكفر به ، فإن نسبة الاستيلاء إلى الله عندنا كفر ولكننا مع ذلك لم نكفركم لأننا نعتقد أنكم تجهلون حقيقة ما تؤول إليه هذه الكلمة في حق الله ، ونكل الباقي إلى الله الذي له الأمر من قبل ومن بعد . ومن زيغكم وتحيزكم وجدلكم أنكم تتحاشون حقيقة أن ابن تيمية من أبرز من قاوم المستغيثين بغير الله وردهم وأفحمهم وقد كتب في ذلك كتابا بعنوان"الاستغاثة"حرم فيه الاستغاثة بغير الله .
? ولو أننا نكفر كل من زلت قدمه لسارعنا إلى تكفير الغزالي القائل"ليس في الإمكان أفضل مما كان"وتكفير الجويني الذي صرح في البرهان بأن الله يعلم الكليات دون الجزئيات .
(1) - طبقات السبكي 4 / 342 محققة . وهكذا تكون نهاية كل نص لا يوافق مذهبهم: يتعرض لعملية انشطار تقسمه قسمين: ظاهر ، وباطن .
(2) - فتح الباري 6 / 410 والإنصاف للمرداوي 2 / 456 .