وقال ابن عابدين الحنفي في حاشيته إن الوثنية لا ينكرون الصانع تعالى واحتج بقوله تعالى { وَلَئِن سَأَلْتَهُم . . . } ونقل عن إبراهيم الحلبي أن غلاة الروافض أسوأ حالا من المشركين لأنهم اعتقدوا الألوهية في علي ، وأما الذين عبدوا الأصنام فلم يعتقدوا الألوهية فيها وإنما عبدوها تقربا إلى الله تعالى [1] .
? ومع هذا ظن من لم يعرف الجاهلية أن المشركين ما داموا يعتقدون أن الله هو الخالق وأنه لا خالق مع الله فلن يزالوا موحدين. مع أن الإيمان بأن الله هو الخالق الرازق وحده هو إيمان فطري وتوحيد ناقص لا يصير به المشركون موحدين وإن اعتقدوا أن الله هو الخالق الرازق وحده . إذ لم يخالف أبو جهل ولا أبو لهب هذه الحقيقة .
فالمشركون يعتقدون أن آلهتهم لا تخلق لأنك لو سألتهم { مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } { مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ } فلم يقولوا: أصنامنا هي الخالقة .
ولهذا لم ينفعهم إذ أشركوا بالله أن يجيبوا بأن خالق الكون هو الله ، فان إبليس يعلم أن الله هو الخالق الرازق وحده وهذا بالطبع لا ينفعه.
وكانوا إذا مسهم الضر في البحر أو وقعوا في شدة لجأوا إلى الله: { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } .
ولكن مشركي زماننا جمعوا بين الشرك والجهل المركب وصاروا بجهلهم أشد جاهلية من مشركي الأمس ، فتروي كتب تراجم الصوفية أنهم إذا مسهم الضر أو أصابهم كرب استغاثوا بغير الله ، قال النبهاني"وكان تجار اليمن يستغيثون بسيدي أبي الغيث الشحري اليمني أحد الأولياء في شدائد البحر ومضايق البر" [2] . وهذا عين ما كان عليه شرك الجاهليين الأوائل ، قال ابن قتيبة في تفسير { وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ } "ومعنى الدعاء هاهنا الاستغاثة ، ومنه دعاء الجاهلية ، وهو قولهم: يا آل فلان ، وإنما هو استغاثتهم" [3] .
فكيف تعجب اليوم إذا قال قائل إن مشركي اليوم مع قولهم لا اله إلا الله أكثر شركا من مشركي الأمس ؟! فان لا اله إلا الله: كلمة الإخلاص ولا بد أن يوافقها عمل الإخلاص ولا ينفع مع عمل الشرك كلمة الإخلاص .
فالأحباش يقولون"من قال لا اله إلا الله وهو يعتقد أن الله في السماء جالس على العرش فلا تنفعه وإن كان يقول لا اله إلا الله لأن الشهادة تنفع صاحبها إن كان يعتقد معناها: أما كثير من الناس اليوم تسمعهم يأتون بالشهادتين بألسنتهم لفظا وفي قلوبهم ما فيها من الاعتقادات الفاسدة" [4] .
ونحن نقول ما يقوله الأحباش أن من كانت عقيدته قبورية فهو مخالف لأبي جهل بلفظ الشهادتين موافق له في عقيدته الفاسدة من حيث التعلق بالصالحين والتبرك بصورهم وقبورهم ، فلماذا يجوز لكم أن تخرجوا الموحد مع أنه يشهد أنه لا اله إلا الله ولا يحق لنا نحن ؟!
ولقد أخبر رسولنا - صلى الله عليه وسلم - أن أقواما من هذه الأمة سيلحقون بالمشركين فقال - صلى الله عليه وسلم -"لا تقوم الساعة حتى يلتحق أقوام من أمتي بالمشركين ويعبدون الأوثان" [5] . وقال"لا تقوم الساعة حتى تضطرب"
(1) حاشية الدر المختار على رد المحتار4/226 ونحوه في حاشيته على البحر الرائق 5 / 139 وانظر رسائله1/ 362
(2) - جامع كرامات الأولياء 2 / 231 .
(3) - غريب القرآن لابن قتيبة 43 .
(4) - شريط 2 مجالس الهدى الوجه الأول .
(5) - رواه أبو داود بإسناد صحيح .