بين الشرك القديم والحديث
إذا تبين ذلك فاعلم أن هؤلاء لا يختلفون مع المشركين الأوائل إلا من حيث إنكار أهل زماننا أنهم يعبدون غير الله في حين كان المشركون الأوائل يقرون أن دعاءهم لغير الله عبادة لغيره فقالوا { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } . وليس الفرق أنهم كانوا ينكرون وجود الله ، بل كانوا يقرون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت وحده ولكنهم كانوا مع ذلل يتخذون من دون الله آلهة يدعونها لتكون وسيطا وشفيعا لهم عند الله قال تعالى { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ } لذلك بقوا مشركين ولم ينفعهم إيمانهم بأنه لا خالق ولا رازق غير الله . وكما كانوا يقولون في تلبيتهم بالحج"لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك" (رواه مسلم) .
قد يقول قائل: نحن ما عبدناهم والمشركون يعترفون بعبادتهم لها. والجواب أن المشركين زعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - جعل الدعاء عبادة ، فصار دعاؤهم مصروفا لغير الله فعبدوها بهذا الفعل الصادر منهم فسمى الله فعلهم هذا عبادة ، فهذا حكم الهي بأن العبادة لغيره قد حصلت فلا قيمة لإنكاركم أن تكونوا عبدتموها ، كما لا قيمة لإنكار النصارى أن يكونوا عبدوا مريم.
قال الطبري في قوله تعالى { فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } كانت العرب تقر بوحدانية الله غير أنها كانت تشرك به في عبادته ( تفسير الطبري 1 / 128 ) .
أقوال السلف في اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية
وحال أكثر أهل الأرض خلط عبادة الله بعبادة غيره . . قال تعالى { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } [ يوسف 106 ] قال الطبري"وإيمانهم بالله هو قولهم: الله خالقنا ورازقنا ومميتنا ومحيينا ، وإشراكهم هو جعلهم لله شريكا في عبادته ودعائه ، فلا يخلصون له في الطلب منه وحده ، وبنحو هذا قال أهل التأويل"ثم روى مثل ذلك عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وعامر وقتادة وعطاء وجمع .
قال قتادة"لا تسأل أحدا من المشركين من ربك ؟ إلا ويقول ربي الله وهو يشرك في ذلك"وقال"الخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم ثم يشركون بعد ذلك"وقال ابن زيد"ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أن الله ربه وخالقه ورازقه وهو يشرك به . . . ألا ترى كيف كانت العرب تلبي تقول: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك: المشركون كانوا يقولون هذا" [1] .
? وممن جاء بعدهم كابن قتيبة الذي ذكر الفطرة التي فطر الله الناس عليها ثم قال"فلست واجدًا أحدًا إلا وهو مقر بأن له صانعا ومدبرا إن سماه بغير اسمه ، أو عبد شيئا دونه ليقربه منه عند نفسه ، أو وصفه بغير صفته أو أضاف إليه ما تعالى عنه علوا كبيرا ، قال تعالى { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } [2] ."
وقال العز بن عبد السلام"لا يمكن أن يقال: إنهم [ المشركين ] ، كانوا يعظمون الأصنام أكثر من تعظيم الله ، لأنهم قالوا { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [3] ."
وأكد ابن الجوزي أن"ما يقال عن الفلاسفة من جحد الخالق محال فإن أكثر القوم يثبتون الصانع" [4] .
(1) - تفسير الطبري 13 / 50-51 الدر المنثور 4 / 120 للسيوطي .
(2) - تأويل مختلف الحديث 129 لابن قتيبة ( ت 267 هـ ) .
(3) - الفوائد في مشكل القرآن 90 .
(4) - تلبيس إبليس 49 .