فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 1116

ثم احتجوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتلى المشركين يوم بدر لما سأله عمر"كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ) [1] . بمعنى أنه إذا كان أبو جهل يسمع في قبره فالأنبياء والأولياء أولى بالسماع منه."

? وهذا قياس باطل ، والقياس أصلا باطل لا يجوز استعماله في أمور التوحيد . قال إمام المالكية ، حافظ المغرب وفقيهها ابن عبد البر"لا خلاف في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام" [2] .

قال ابن سيرين"ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس ، وأول من قاس إبليس"حين قال { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [3] وبهذا الاستدلال من الحبشي يصير الأصل في كل ميت أنه يسمع ، وهذا الفهم الباطل يتعارض وقوله تعالى { وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ } [4] { وقوله إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى } .

ألا بئس ما توصل إليه أولئك من الاستدلال بسماع طواغيت قريش على سماع الأنبياء والأولياء !.

أولًا: ونحن نرد عليهم فنقول: لو كان ما تقولونه صحيحا فما معنى { إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ } فعلى فرض سماعهم لا يستجيبون .

? ثانيًا: أن هناك رواية تضمنت زيادة (الآن) أي أنهم الآن يعلمون حين تبوؤا مقاعدهم" [5] . وفيه تحديد السماع بمدة وجيزة كما في الحديث الذي يحتجون به"إن الميت ليسمع قرع نعال مشيعيه"وهو حجة عليهم فإنه إذا كان أي ميت يسمع قرع نعال مشيعيه بطل تخصيص السماع من القبر بالأنبياء والأولياء . وقد نقل إلينا السلف هذا الحديث ولم يفهموه على الوجه الذي تفهمونه أنتم ."

? ثالثًا: أنهم تجاهلوا تفسير قتادة الذي أورده البخاري ومسلم"أحياهم الله حتى أسمعهم قوله - صلى الله عليه وسلم - توبيخا وتصغيرًا ونقمة وحسرة وندامة" [6] .

وقد صدر مثل هذا التوبيخ من الأنبياء السابقين منهم صالح عليه السلام { فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ } .

? رابعًا: من أضل ممن يسمع هذه الآية { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } [الأحقاف 5] ، ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا . ويطلب أدلة أخرى لأن الآية لا توافق هواه بل هي حجة عليه إلى يوم القيامة !

فأهل البدعة والشرك أمام حواجز إذا اخترقوا أولها صعب عليهم ثانيها . فإذا تخطوا حاجز { لاَ يَسْمَعُواْ } اعترضهم حاجز { وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا } .

(1) - نشرة شئون الخارج 16 .

(2) - جامع بيان العلم وفضله 2 / 55 .

(3) - تفسير الطبري 8 / 131 المدخل إلى السنن للبيهقي ( 196 ) جامع بيان العلم 1 / 58 تفسير ابن كثير 2 / 203 وقال ( إسناده صحيح ) .

(4) - وقد رد الأحباش على قوله تعالى { وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ } بأن المراد تشبيه الكفار بمن في القبور في عدم انتفاعهم بكلامه وهم أحياء"ولست أدري من سلفهم في هذه التفاسير الباطلة ؟ أأخذوها عن ابن عباس أم ابن مسعود !"

(5) - البخاري 3979 .

(6) - البخاري ( 3976 ) مسلم ( 2875 ) وانظر إتحاف السادة المتقين 10 / 380 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت