فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 1116

إخلاص الدعاء لله هو التوحيد

الآية الثانية والعشرون: قوله تعالى { فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } [ غافر 14] ، فدعاء الله: إخلاص في الدين وإخلاص في العبادة كما قال تعالى { فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ } فالله سمى الدعاء دينًا ، فمن أخلص الدعاء لله فقد أخلص له الدين والعبادة ، ومن دعا غيره لم يخلص له الدين ووقع في الشرك . قال تعالى { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } .

وقال { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } . { وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } . والذي أمرنا أن نعبده مخلصين له الدين { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } هو الذي أمرنا أن ندعوه مخلصين له الدين فقال { فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } ومن كره أن ندعو الله مخلصين له الدين فقد عرض نفسه أن يصيبه آخر الآية { وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } .

? وقد جعل الله دعاءه وحده شرطًا لصحة الاعتقاد بوحدانيته كما قال { هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } ولم يقل: النبي والأولياء أحياء فادعوهم فمن لم يخلص لله الدين والدعاء فقد نقض شرط لا اله إلا الله . فهو مخالف لما يتلفظ به. فأنتم لستم مطالبين فقط بدعاء الله فحسب ، بل بالإخلاص في الدعاء فهل تدعون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخلصين له الدين ؟

الدعاء صلاة

أنت تدعو غير الله ؟ إذن أنت تصلي لغير الله وتعبد غير الله . قال تعالى { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ } [ التوبة 103 ] فقد أمر الله نبيه أن يأخذ الصدقة من المؤمنين ويدعو لهم ، ونهاه أن يدعو للمنافقين فقال { وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا } [ التوبة 84 ] وأمرنا أن ندعو لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ } [ الأحزاب 56 ] وفي الحديث"الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه" [1] ، قال النووي في شرح مسلم ( 1 / 317 ) "الصلاة هي الدعاء: هذا قول جماهير أهل اللغة العربية والفقهاء وغيرهم".

فإذا كان الدعاء هو الصلاة كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة: فكيف جاز عند قوم دعاء غير الله ولم يَجْز عندهم الصلاة لغير الله مع أن معنى الصلاة بمعنى الدعاء ! هذا تناقض ، إذن فليجوّزوا الصلاة لغيره أو دعاء غيره أثناء الصلاة ؟ أو لا يفرّقوا بين دعاء ودعاء .

وإذا كان دعاء غير الله جائزًا عند الحبشي فلماذا لا يدعو الرفاعي والجيلاني أثناء صلاته ! إن كان لا يعتبر ذلك شركًا ؟

علم أن قوله تعالى { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [ الأنعام 162 ] يشمل الدعاء ، وسُمّيَتِ الصلاة صلاة لاشتمالها على نوعي الدعاء: دعاء العبادة ودعاء المسألة كما علّمنا رسولنا - صلى الله عليه وسلم - أن نكثر من الدعاء في الصلاة فقال"فأما الركوع فعظّموا فيه الرب تعالى ، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء" [2] .

فإذا كان الدعاء صلاة وعبادة: ألزمنا من يدعون غير الله أنهم يعبدون غير الله ويصلون لغير الله وإن أنكروا ذلك ، فالحجة ما قرره الله ورسوله . وقد أمر أن نعبده وحده فقال { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ } [ الإسراء 23 ] ، وألا نشرك به { وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا } [ المؤمنون 32 ] .

(1) - رواه البخاري ( 445 ) ومسلم ( 649 ) .

(2) - رواه مسلم ( 479 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت