وقد احتج مشايخ الحنفية رحمهم الله على عدم سماع الموتى بقصة أصحاب الكهف { فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا } إلى قوله { وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } فإنهم من أولياء الله ، وقد أنامهم نومًا ثقيلا لا توقظهم الأصوات . فلو كانوا يعلمون لكان كلامهم هذا كذبا .
الآية السابعة عشرة: قوله تعالى { قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا } [ الرعد 16 ] و { هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ - أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } فغير الله لا يقضون بشيء ولا يملكون نفعًا ولا ضرًا ولا يسمعون وإذا سمعوا لا يستجيبون ، وهؤلاء يقولون: بلى ، يقضون بشيء ويستجيبون لمن شاءوا .
الدعاء أفضل العبادة
هل أجاز النبي عبادة غير الله مع الكراهة ؟!
والدعاء عبادة كما قال رسولنا - صلى الله عليه وسلم -"الدعاء هو العبادة" [1] ، وفي رواية"الدعاء مخ العبادة" [2] . ثم إن الاستشهاد بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير من الاستشهاد بعلماء اللغة. وإذا عُرف التفسير من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحتج في ذلك إلى أقوال اللغة.
? وما سماه النبي عبادة لا يجيز للناس صرفه لغير الله مع الكراهة كما زعم الحبشي وغيره. بل ما كان عنده عبادة لا يصرف إلا لله .
? قال الزبيدي"قال القاضي: لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستحق أن تسمى عبادة من حيث أنه يدل على أن فاعله مقبل بوجهه إلى الله تعالى، معرض عما سواه، لا يرجو ولا يخاف إلا منه: استدل عليه بالآية فإنها تدل على أنه أمر مأمور به إذا أتى به المكلف قُبل منه لا محالة وترتب عليه المقصود ترتب الجزاء على الشرط وما كان كذلك كان أتم العبادة وأكملها ويمكن حمل العبادة على"المعنى اللغوي أي الدعاء ليس إلا إظهار غاية التذلل والافتقار". وعن معنى رواية"الدعاء مخ العبادة"قال الزبيدي"أي خالصها، وإنما كان مخا لها لأن الداعي إنما يدعو الله عند انقطاع أمله مما سواه وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص، ولا عبادة فوقها لما فله فيه من إظهار الافتقار والتبري من الحول والقوة وهو سمة العبودية استشعار ذلة البشرية" [3] "
وإذا كانت العبادة هي الذلة والتذلل: فهؤلاء يتوجهون إلى غير الله بأفضل العبادة وهو الدعاء كما قال ابن عباس {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قال"أفضل العبادة الدعاء" [4] .
وهذا التفسير لغويٌّ وشرعي: علَّمنا إياه سيد البشر وأفصحهم - صلى الله عليه وسلم - والذي لا يجيز صرف عبادة لغير الله . والتوجه بالدعاء لغير الله تأليهٌ لغير الله . فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله"فدل على أن الدعاء مدق أعظم أنواع العبادة ، لأنه يجمع من أنواع العبادة ما لا
(1) أحمد 4/ 267 أبو داود (1479) الترمذي (3244) صحيح.
(2) رواه الترمذي في الدعوات (3371) ضعيف فيه عبد الله بن لهيعة وله شاهد من حديث النعمان بن بشير.
(3) إتحاف السادة المتقين 39/5.
(4) رواه الحاكم في المستدرك 1/491 وصححه ووافقه الذهبي وهو حسن بشواهده (أنظر سلسلة الصحيحة للألباني 4/106 رقم 1579.