فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 1116

المشركين فسكتوا"أي سألهم: هل هن كاشفات ضره ؟ هل هن ممسكات رحمته ؟ فسكتوا لأنهم لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الضر والنفع ولو كانوا يعتقدون العكس لأجابوا . وإنما كانوا يتخذونها وسائط وشفعاء عند الله ."

النصارى لا يعتقدون أن مريم تخلق نفعًا

الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى { وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ } . فالذين يدعون غير الله وإن كانوا يعتقدون أن من يدعونه لا يخلق نفعًا إلا أنه ما زالت هناك مشابهة بينهم وبين النصارى الذين يعتقدون أن مريم لا تخلق نفعًا ولكنهم يطلبون منها أن تشفع لهم عند الرب وتخلصهم وتقضي حوائجهم، فحكم الله بأنهم يؤلهونها لأنهم كانوا يدعونها مع الله كما في تفسير قوله تعالى { قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا } . قال ابن عباس ومجاهد"وهم: عيسي وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم" [1] . وكل من دعا ميتا أو غائبًا من الأنبياء والصالحين فقد دعا من لا يملك كشف الضر عنه ولا تحويلا .

وقد اعترف الرازي بأنه"ليس المراد بالآية الأصنام لأنه تعالى قال في صفته { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ } قال: وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام" [2]

دعاء غير الله تأليه لغير الله

فالنصارى يعترفون بأنهم اتخذوا المسيح إلهًا ، لكنهم يرفضون اتهامهم بتأليه مريم ويقولون: نحن لم نؤله مريم ، بل نعتبرها بشرًا ، ولا نعتقد أنها تخلق نفعًا ولا ضرًا ، غير أننا نتخذها شفيعة لنا عند الرب. لكن الله ألزمهم بعبادتها وإن رفضوا، لأنهم يدعونها من دون الله ويطلبون منها ما يطلبه الأحباش من الجيلاني والرفاعي .

ولو سمعوا ما استجابوا

الآية السادسة عشرة: قوله تعالى { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } [ الأحقاف 5 ] . وهذه صفات مشتركة بين الأصنام والقبور ، وقد جمع الله بينهما في آية واحدة فقال { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء } [ النمل 80 ] . وقد استدل ابن الهمام بهذه الآية على عدم سماع الأموات وأن عدم سماع الكفار فرع عدم سماع الموتى [3] . وهذه الآية مفسرة بقوله تعالى { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } . وأفضل التفسير: تفسير القرآن بالقرآن .

وجاء في الفتاوى البزازية"من قال إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم: يكفر. وقال الشيخ فخر الدين أبو سعيد عثمان الجياني: ومن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله واعتقد بذلك فقد كفر" [4] .

(1) - تفسير البغوي 5 / 101 محقق .

(2) - تفسير الرازي 10 / 223 .

(3) - فتح القدير 2 / 104 دار الفكر أو 2 / 69 دار إحياء التراث.

(4) - الفتاوى البزازية 3 / 326 بهامش الفتاوى الهندية البحر الرائق 3 / 49 و 2 / 298 وفي طبعة أخرى 5 / 124 وانظر رد المحتار 2 / 439 قبيل باب الاعتكاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت