فمجرد اعتقاد أن غير الله لا يخلق نفعًا لا يبرّىء من الشرك بل لابد من إخلاص التوحيد وذلك بأن يكون الدعاء لله وحده .
فإن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - نهى عن دعاء الله مطلقًا من غير استثناء فقال لابن عباس"إذا سألت فاسأل الله"ولم يكن ابن عباس ولا الصحابة يعتقدون أن أحدًا غير الله ينفع أو يضر ، ولم يقل لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما دمتم تعتقدون أن النفع والضر من الله جاز لكم أن تسألوا غير الله .
وقوم إبراهيم لم يكونوا يعتقدون أن أصنامهم تملك نفعًا فضلًا عن أن تخلقه ، فلما سألهم { هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ 72 أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } ما قالوا بلى تنفع وتضر .
ولما كان دعاء غير الله عند إبراهيم شركًا قال لهم: { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } فحكم عليهم في الآية التي تليها أن دعاءهم لها عبادة من دون الله { فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } ( مريم 48 و 49 ) وأكد ذلك في آية واحدة فقال { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } وقد دلت الآية على أن دعاء غير الله عبادة تتعارض مع الإسلام لرب العالمين .
ولو كان يعلم عنهم أنهم كانوا يعتقدون فيها النفع والضر لما حاجّهم بذلك ولأجابوا عن سؤاله { هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ } "نعم , إنها تنفع وتضر . فلما عجزوا عن الإجابة قالوا { بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } قال { أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ } فقال لهم أولًا { تَدْعُونَ } ثم قال { تَعْبُدُونَ } وفى آية أخرى { أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ } ."
استغاثتهم بهم مسبوقة باعتقادهم فيهم
هذا ولا يوجد على الأرض من يدعو من يعتقد فيه أنه لا يملك الإجابة والنفع والضر إلا أن يكون مجنونًا . فهل هناك عاقل يقول: أغثني يا من لا تملك نفعًا ولا ضرًا ؟! إلا أن يكون معتقدًا فيهم التأثير وكشف الضر وتحصيل النفع اللهم إلا أن يكون مجنونًا فحينئذ لا يؤاخذه الله على شرك أكبر ولا أصغر.
الحق أنه لم يلتجئ إليهم إلا لاعتقاده فيهم النفع والضر . فإن ما في القلب من الاعتقاد الفاسد قد عبّر عنه اللسان فصار يلهج بنداء غير الله: أغث يا رفاعي ، المدد يا جيلاني ، شيء لله يا سيدي دسوقي ، ثم عبّر عنه العمل فصار يقبّل جدران القبور ويمسحها بيده ويذبح النذور عندها على نية الشفاء [1] .
قال الآلوسي"ولا أرى أحدًا ممن يقول ذلك ( يشير إلى قولهم يا سيدي فلان أغثني ) إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر على جلب الخير ودفع الأذى ، وإلا لما دعاه ولا فتح فاه". واعتبر الآلوسي هؤلاء من جملة من قال الله فيهم ، { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } [2] .
? تصور رجلًا جائعًا فقيرًا يخير بين أن يذهب إلى فقير مثله أو إلى غني: فإلى من يذهب ؟ بالطبع سيذهب الى الغني ويترك الفقير . لا تنس أن ذهابه إلى الغني قد سبقه علمه بأن هذا الغني يملك نفعًا وإلا: فذهابه إلى فقير مثله مع علمه بفقره يعتبر جنونًا . وكذلك المستغيث بغير الله: يعلم في قرارة نفسه أن من يطلب منهم لا يملكون تحقيق شيء له ، وإن أنكر ذلك باللسان .
(1) وبهذا تعلم بطلان ما ذهب إليه الأمير الصنعاني رحمه الله أن دعاء غير الله شرك عملي لا اعتقادي , فإن الحامل على عمل هذا الشرك هو الاعتقاد الشركي الذي صدّقه العمل , وقد تمسك الأحباش بقوله هذا , وهم يتعلقون بالرجال لا بالحق , ويجعلون من علامات ضلالنا أننا نحكم على الحالف بغير الله أنه واقع في الشرك الأكبر , مع أننا نفتي بأنه شرك أصغر . ولكن هل جهلوا أن الصنعاني ذهب إلى أن الحلف بغير الله شرك= =أكبر مخرج من الملة ؟ ( أنظر كتابه تطهير الاعتقاد 31 وسبل السلام شرح بلوغ المرام 4/1433 مع أن شرك الدعاء أعظم من شرك الحلف بغير الله .
(2) روح المعاني 6/128 و 13/67 و 17/213 و 24/11 .