وإنه لمن الضلالة أن نضرب هدي الصحابة بهدي ملك إربل فإنه ليس بأحسن هديًا منهم . وإلا فلماذا لم يحتفل الصحابة بمولده شكرًا لله ؟ فإن قيل إن الصحابة رأوه وسعدوا له فماذا يقول في التابعين وهم لم يروه وكانوا أكثر حبًا له وأحسن هديًا من هذا الملك ؟
التقويم بالهجرة لا بالميلاد
لقد ابتدأ عمر رضى الله عنه التقويم السنوي من حدث الهجرة ولم يبدأه من مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - . في حين بدأ النصارى تقويمهم بحسب ميلاد من يزعمون ألوهيته .
ومع علم عمر بأن النصارى ابتدءوا التقويم السنوي من يوم ولادة المسيح فإنه لم يتخذهم قدوة في ذلك كما اتخذهم ملك إربيل ، ولم يقل نحن أحق منهم بأن نجعل التقويم من يوم مولد نبينا - صلى الله عليه وسلم - من النصارى ، فتركتم سنة من سنن الخلفاء الراشدين وسننتم سنن النصارى .
فاتخاذ مولد الأنبياء عيدًا سنة نصرانية لم يقتد بها السلف: فأنتم تتبعون غير سبيل المؤمنين .
ثم ما موقفكم ممن يبتدع للمسلمين مناسبة أخرى: فيتخذ من يوم موته - صلى الله عليه وسلم - عيدًا ويسميه يوم الحزن ، فيبكي طوال اليوم لموته وحجته نفس حجتكم: محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعظيمه وتذكر فراقه الدنيا ؟ هل تعارضون مثلى هذه الفكرة وما الضابط لرفضها أو أخذها ؟
ثم إن الأمر لا يقف عند هؤلاء عند حد مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - بل يضطرد إلى عمل الموالد للأولياء ، فقد زعم الأحباش أن العلماء الذين يمتنعون عن الاحتفال بمولد أحمد البدوي سيصيبهم من الضرر ما يصيبهم ، وأنه وقع لكثير منهم المصائب من دخول السجن وتلقي العذاب من الله جزاء على استنكارهم لمولد البدوي [1] !
شبهة: وأما الاحتجاج بتأليف السيوطي كتابًا بعنوان"حسن المقصد في عمل المولد". فالسيوطي كغيره من البشر غير معصوم يخطئ ويصيب ، وهو مع جلالته وتبحره في العلم فإنه لا يخلو من غرائب انتقده عليها كثيرون أبرزهم الشيخ ملا علي قاري ، وقد انتقده الغماري في (المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير ص6) فقال"يورد- أي السيوطي- الحديث الموضوع الذي في نفس متنه ما يدل دلالة واضحة على وضعه ... كما فعل في حديث جابر"أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر"انتهى ."
ويأتي بغرائب كقوله"قد بشر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإمام أبي حنيفة ، في حديث"لو كان العلم بالثريا"وزعم فيما حكاه عن ابن المبارك أن أبا حنيفة صلى خمسًا وأربعين سنة على وضوء واحد وكان يجمع القرآن في ركعتين في ليلة [2] ."
شبهة: واحتجوا بما جاء في البخاري"قال عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب أعتقها فأرضعت النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما مات أبو لهب أُريَه بعض أهله بشر حيبة ، قال له: ماذا لقيت ؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة" [3] . فزعموا أن الرواية أفادت أنه يخفف عن أبي لهب لفرحه بولادة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعتقه ثويبة لبشراها له بولادة النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وهذا كذب على البخاري فإنه لم يجيء فيه أنه يخفف عن أبي لهب كل اثنين ولا أن أبا لهب أعتق ثويبة من أجل بشارتها إياه بولادة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن ادعى ذلك فعليه الدليل .
ولقد كان أبو لهب من أشد الناس عداوة وإيذاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومبالغته في إيذائه تهدم ما سلف من الفرح لو كان صحيحًا ، ولقد قال تعالى { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا } .
(1) مجلتهم منار الهدى 35 /18 ـ19
(2) تبييض الصحيفة في مناقب أبي حنيفة 394 (ضمن. الرسائل التسع) . رواه البخاري 5101.
(3) رواه البخاري 5101 .