تركها قوم في زمان هؤلاء معتقدين لكراهيتها وأنكرها قوم... فتكون حينئذ قد تنازع فيها أولو الأمر فترد إذن إلى الله والرسول وكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -". فحكم السنة في المولد أنه خلاف السنة ."
شبهات حول المولد
وقد زعم الحبشي أن ابن تيمية لم يحرم عمل المولد بل قال"فيه أجر عظيم [1] . وقد بتر محترفو"بتر النصوص"النص على عادتهم ، فما أكثر ما أنكر ابن تيمية عمل المولد ، وقد صرح في أول تلك العبارة"لا ريب أن من فعلها- أي المواسم المبتدعة- متأولًا مجتهدًا أو مقلدًا كان له أجر عظيم على حسن قصده وعلى عمله من حيث ما فيه من المشروع ، وكان فيه من المبتدع مغفورًا له وإذا كان في اجتهاده أو تقليده من المعذورين ... لكن هذا القدر لا يمنع من كراهتها والنهي عنها والاعتياض عنها بالمشروع الذي لا بدعة فيه"."
قال"فإن من الأعمال ما يكون فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع وفيه أيضًا شر من بدع ونحوها"غير أنه أكد أن"جميع المبتدعات لابد أن تشتمل على شر راجح على ما فيها من الخير ... فنحن نستدل بكونها بدعة على أن إثمها أكبر من نفعها".
-ولهذا ذكر أن عمل المولد"قد يكون مضاهاة للنصارى في مولد عيسى ، وإما محبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتعظيمًا ، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع... فإن هذا لم يفعله السلف ... ولو كان هذا خيرًا لكان السلف أحق به منا ، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعظيمًا له منا ، وهم على الخير أحرص: وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته واتباع أمره".
وهكذا فرّق ابن تيمية بين من يفعله وهو عالم بحكمه وبين من يفعله عن حسن قصد وهو جاهل حكم الشرع فيه فيعذر لجهله ويثاب على حسن مقصده ، ثم قال"فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده"فهؤلاء البعض معذورون لجهلهم بخلاف العارفين حقيقة الحكم ولذلك قال بأنه"يَحْسُنُ بعض الناس ما يُستقبح من المؤمن المسدد" [2] .
هذا كلام ابن تيمية من غير بتر ولا تقطيع على عادة لصوص النصوص ! وهؤلاء قد عرفناهم يتبعون ما تشابه من كلام الله ، فلا تعجب أن يتبعوا ما تشابه من كلام العلماء !
وقد فرق ابن حجر المكي الهيتمي بنفس التفريق في بدعة الوقوف عند ذكر مولده - صلى الله عليه وسلم - فقال في الفتاوى الحديثية (58) ما نصه"ونظير ذلك فعل كثير عند ذكر مولده - صلى الله عليه وسلم - ووضع أمه له من القيام وهو أيضًا بدعة لم يرد فيه شيء على أن الناس إنما يفعلون ذلك تعظيمًا له - صلى الله عليه وسلم - فالعوام معذورون لذلك بخلاف الخواص". فبهذا نلبس عليهم ما يلبسون .
أن الملك المظفر ليس أول الشاكرين لله على إبراز سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد شكره السلف من قبل ، ليس على طريقة هذا الملك وإنما بإحياء سنته واتباع هديه من غير أن يقيموا له مولدًا ، فإنهم كانوا أكثر حبًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ملك إربل ، وقد اعترف الأحباش ولله الحمد أن عمل المولد حدث بعد القرون الثلاثة الفاضلة [3] .
? وأما زعمهم أن هذا الاحتفال هو فرح بمولده - صلى الله عليه وسلم - واحتجاجهم بقوله تعالى { قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } فهل فرح الصحابة والتابعون بمثل فرحكم أم أنهم أعرضوا عن تطبيق هذه الآية وفطنتم لها أنتم والباطنيون ؟
إن من يقول هذا يفضل الباطنيين الذين ابتدعوا المولد على الصحابة الذين لم يفعلوه ، فانظر كيف يستدل المبتدعة بالكتاب والسنة ويحملونهما على مذاهبهم ويحسبون أنهم على شيء .
(1) مجلة منار"الهدى"29/47 نقلوا هذا عن اقتضاء الصراط المستقيم .
(2) اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 609 ـ 617 تحقيق ناصر العقل. مجلة منار الهدى (11/24) .
(3) مجلة منار"الهدى" (11 /24)