و لا ريب من هذا المثال النادر في البشرية فالله هو الذي أدّبه فأحسن تأديبه ، فهو أحسن الناس خلقا ، وأسدّهم قولا، وأمثلهم طريقة، وأصدقهم خبرا، وأعدلهم حكما، و أطهرهم سريرة، و أنقاهم سيرة ، و أفضلهم سجايا ، وأجودهم يدا ، و أسمحهم خاطرا ، و أصفاهم صدرا ، و أتقاهم لربه ، و أخشاهم لمولاه ، و أعلمهم بالأمة ، و أوصلهم رحمة ، وأزكاهم منبتا، وأكرمهم محتدا ، و أشجعهم قلبا ، و أثبتهم جنانا، وأمضاهم حجة، وخيرهم نفسا ونسبا وخلقا ودينا. فهو جميل الصفات مشرق المحيّا، قريب من القلوب، حبيب الى الأرواح، سهل الخليقة، ميسّر الطريقة، مبارك الحال، تعلوه مهابة وترافقه جلالة، على وجهه نور الرسالة، وعلى ثغره بسمة المحبة، حيّ القلب، ذكي الخاطر، عظيم الفطنة، سديد الرأي، ريان المشاعر بالخير، يسعد به جليسه، وينعم به رفيقه، ويرتاح له صاحبه، يحبّ الفأل ويكره الطيرة، يعفو ويصفح، ويسخو ويمنح، أجود من الريح المرسلة، وأكرم من الغيث الهاطل، وأبهى من البدر، وسع الناس بأخلاقه وطوّق الرجال بكرمه، وأسعد البشرية بدعوته، من رآه أحبّه، ومن عرفه هابه، ومن داخله أجلّه، كلامه يأخذ بالقلوب، وسجاياه تأسر الأرواح.
قال ابن حزم: (( إن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم لمن تدبرها تقتضي تصديقه ضرورة، وتشهد له بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا، فلو لم تكن له معجزة غير سيرته صلى الله عليه وسلم لكفى ) ) [1] .
و أما أثاره صلى الله عليه وسلم التي تركها في الدنيا فقد مات النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن علم الدنيا كيف تعبد ربها ، و قد أخرج العباد من جور الأديان إلى عدل الإسلام ، و قد آخى بين المسلمين و بين للناس ما يصلح دينهم و دنياهم .
(1) - الفصل في الملل و النحل لابن حزم 2/92