ويرد هذا كله إلى أسباب مادية واقتصادية ، فلا يقول إنه يرجع إلى قيم معنوية ، ولا يقول إن هذا - في ذاته - أمر طيب وفاضل ومستحب أو واجب ، إنما هو انعكاس لأوضاع مادية واقتصادية . فالفلاح - وهو المنتج الرئيسى في المجتمع الرزاعى - يضع البذرة في الأرض ، ثم لا يستطيع أن يسيطر عليها ولا أن يستعجلها عن موعدها ، ولا أن يقيها من الآفات والتأثيرات الجوية المختلفة .
و من ثم"يفترض !"وجود قوة غيبية ، يكل إليها هذا الأمر كله ، الذى يعجز عن التحكم فيه والسيطرة عليه ، ويروح يترضى هذه القوة الغيبية بالعبادات ، و النسك والقرابين ، لكى ترضى عنه وتبارك زرعه ، ولكى يتقى غضبها عليه وانتقامها منه .
و من ثم يكون التدين قويا ، و يكون سمة بارزة في للمجتمع الزراعى ثم إن الرجل في المجتمع الزراعى هو المتكسب ، و هو الذى ينفق على الزوجة والأولاد ، و من ثم يسيطر عليهم ويبسط سلطانه .
و يكون سلطانه أشد ما يكون على الزوجة ، فيفرض عليها أن تكون له وحده ، و من ثم تصبح قضية العفة و المحافظة على العرض ذات قيمة كبيرة في المجتمع الزراعى ، و يفرض على المرأة أن تحافظ على عرضها ( إرضاء لأنانية الرجل المتكسب المنفق ) و يضفى على ذلك ثوب الدين والأخلاق ، فتصبح قضية العفة قضية دينية وأخلاقية في حين أنها مجرد انعكاس لوضع اقتصادى معين يكون الرجل فيه هو المتكسب دون المرأة [1] .
و تغيرات العالم في الماركسية إنما هي نتيجة حتمية لتغير المادة ووسائل الإنتاج ، و العوامل الاقتصادية هي المحرك الأول للأفراد والجماعات و الفكر والحضارة و الثقافة إنما هي وليدة التطور الاقتصادي .
و من هنا كانت شمولية الماركسية و تفسيرها للتاريخ البشري كله على أساس من التغيرات الاقتصادية و صراع الأغنياء مع الفقراء الكادحين [2] .
(1) - مذاهب فكرية معاصرة لمحمد قطب
(2) - مذاهب فكرية في الميزان لعلاء بكر ص 167