الصفحة 43 من 221

كان يتخير في خطابه، ويختار لأمته أحسن الألفاظ، وأجملها، وألطفها، وأبعدها من ألفاظ أهل الجفاء والغلظة والفحش، فلم يكن فاحشًا ولا متفحِّشًا ولا صخابًا ولا فظًا.

وكان يكرهُ أن يُستعملَ اللفظُ الشريفُ المصونُ في حقِّ من ليس كذلك، وأن يُستعملَ اللفظُ المهين المكروه في حقِّ من ليس مِن أهله.

فمن الأول منعُه أن يُقال للمنافق (( ياسيدنا ) )وقال: (( فإنه إن يكُ سيدًا فقد أسخطتُمْ ربكم عزوجل ) ) ( ) .ومنعه أن تسمى شجرةُ العنب كرمًا، ومنعُه تسمية أبي جهل بأبي الحكَم، وكذلك تغييره لاسم أبي الحكم من الصحابة: بأبي شريح، وقال: (( إن الله هو الحكم، وإليه الحكم ) ) ( ) .

ومن ذلك نهيهُ للمملوك أن يقولَ لسيِّده أو لسيدته: ربي وربتي، وللسيَّدِ أن يقولَ لمملوكِهِ: عبدي، ولكن يقولُ المالكُ: فتاي وفتاتي، ويقول المملوكُ: سيدي وسيدتي ( ) .

وقال لمن ادَّعى أنه طبيب (( أنت رجلٌ رفيقٌ، وطبيبُها الذي خلَقهَا ) ) ( ) .

والجاهلون يُسمُّون الكافر الذي له علمٌ بشيء من الطبيعة حكيمًا، وهو من أسفه الخلق.

ومن هذا قولُه للخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى (بئس الخطيب أنت ) ) ( ) .

ومن ذلك قوله:"لا تقولوا: ما شاءَ اللهُ وشاءَ فُلانَ، ولكن قولوا: ما شاءَ اللهُ، ثُمَّ ما شاءَ فُلانٌ". ( )

وقال له رجل: ما شاءَ اللهُ وشِئْتَ، فقال: (( أجعلتني لله ندًا؟ قُل: ما شاءَ الله وحْدَهُ ) ) ( ) .

وفي معنى هذا الشرك المنهي عنه قول من لا يتوقَّى الشرك: أنا باللهِ وبكَ، وأنا في حَسبِ اللهِ وحسبكَ، ومالي إلا الله وأنتَ، وأنا متوكِّل على الله وعليك، وهذا من الله ومنك، والله لي في السماء وأنت في السماء وأنت لي في الأرض، ووالله وحياتك، وأمثال هذا من الألفاظ التي يجعل فيها قائلها المخلوق نِدًا وهي أشد منعًا وقُبحًا من قوله: ما شاءَ الله وشئتَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت