الصفحة 31 من 114

قوله تعالى"معك"المعية هنا الاشتراك في الهجرة لا في الصحة فيها، ومن هاجر حل له، كان في صحبته إذ هاجر أو لم يكن. يقال: دخل فلان معي وخرج معي، أي كان عمله كعملي وإن لم يقترن فيه عملكما. ولو قلت: خرجنا معا لاقتضى ذلك المعنيين جميعا: الاشتراك في الفعل، والاقتران فيه.

ذكر الله تبارك وتعالى العم فردًا والعمات جمعًا. وكذلك قال:"خالك"،"و"خالاتك"والحكمة في ذلك: أن العم والخال في الإطلاق اسم جنس كالشاعر والراجز، وليس كذلك العمة والخالة. وهذا عرف لغوي، فجاء الكلام عليه بغاية البيان لرفع الإشكال، وهذا دقيق فتأملوه، قاله ابن العربي."

قوله تعالى:"وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً"عطف على"أَحْلَلْنَا"المعنى وأحللنا لك كلَّ امرأة تهب نفسها من غير صداق. وقد اختلف في هذا المعنى، فروي عن ابن عباس أنه قال: لم تكن. عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين. فأما الهبة فلم يكن عنده منهن أحد. وقال قوم: كانت عنده موهوبة.

قلت: والذي في الصحيحين يقوي هذا القول ويعضده، روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقول: أما تستحي امرأة تهب نفسها لرجل! حتى أنزل الله تعالى" (تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا) (الأحزاب: 51) فقلت: والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. وروى البخاري عن عائشة أنها قالت: كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدل هذا على أنهن كن غير واحدة. والله تعالى أعلم. قال الزمخشري: وقيل الموهبات أربع: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة أم المساكين الأنصارية، وأم شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم."

قلت: وفي بعض هذا اختلاف. قال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث. وقال الشعبي: هي زينب بنت خزيمة أم المساكين امرأة من الأنصار. وقال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل: هي أم شريك بنت جابر الأسدية. وقال عروة. بن الزبير: أم حكيم بنت الأوقص السلمية.

وقد اختلف في اسم الواهبة نفسها، فقيل هي أم شريك الأنصارية، اسمها غزية. وقيل غزيلة. وقيل ليلى بنت حكيم. وقيل: هي ميمونة بنت الحارث حين خطبها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فجاءها الخاطب وهي على بعيرها فقالت: البعير وما عليه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقيل: هي أم شريك العامرية، وكانت عند أبي العكر الأزدي. وقيل عند الطفيل بن الحارث فولدت له شريكا. وقيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوجها، ولم يثبت ذلك. والله تعالى أعلم، ذكره أبو عمر بن عبدالبر. وقال الشعبي وعروة: هي زينب بنت خزيمة أم المساكين. والله تعالى أعلم.

قرأ جمهور الناس"إِن وَهَبَتْ"بكسر الألف، وهذا يقتضي استئناف الأمر، أي إن وقع فهو حلال له. وقد روي عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: لم يكن عند النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة موهوبة، وقد دللنا على خلافه. وروى الأئمة من طريق سهل وغيره في الصحاح: أن امرأة قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: جئت أهب لك نفسي، فسكت - صلى الله عليه وسلم -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت