حتى قام رجل فقال: زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فلو كانت هذه الهبة غير جائزة لما سكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه لا يقر على الباطل إذا سمعه، أنه يحتمل أن يكون سكوته منتظرا بيانا، فنزلت الآية. بالتحليل والتخيير، فاختار تركها وزوجها من غيره. ويحتمل أن يكون سكت ناظرا في ذلك حتى قام الرجل لها طالبا. وقرأ الحسن البصري وأبى بن كعب والشعبي"أن"يفتح الألف. وقرأ الأعمش"وامرأة مؤمنة وهبت". قال النحاس: وكسر"إن"أجمع للمعاني، لأنه قيل إنهن نساء. وإذا فتح كان المعنى. على واحدة بعينها، لأن الفتح على البدل من امرأة، أو بمعنى لأن.
قوله تعالى:"مُّؤْمِنَةً"يدل على أن الكافرة لا تحل له. قال إمام الحرمين: وقد اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه. قال ابن العربي: والصحيح عندي تحريمها عليه. وبهذا يتميز علينا، فإنه ما كان من جانب الفضائل والكرامة فحظه فيه أكثر، وما كان جانب النقائص فجانبه عنها أطهر؛ فجوز لنا نكاح الحرائر الكتابيات، وقصر هو - صلى الله عليه وسلم - لجلالته على المؤمنات. وبهذا كان لا يحل له من لم تهاجر لنقصان فضل الهجرة فأحرى ألا تحل له الكافرة الكتابية لنقصان الكفر.
و"إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا"دليل على أن النكاح عقد معاوضة على صفات مخصوصة، قد تقدمت في"النساء"وغيرها. وقال الزجاج: معنى"إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ"حلت. وقرأ الحسن:"إن وهبت"بفتح الهمزة. و"أن"في موضع نصب. قال الزجاج: أي لأن. وقال غيره:"إن وهبت"بدل اشتمال من"امرأة".
قوله تعالى:"إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا"أي إذا وهبت المرأة نفسها وقبلها النبي - صلى الله عليه وسلم - حلت له، وإن لم يقبلها لم يلزم ذلك. كما إذا وهبت لرجل، شيئا فلا يجب عليه القبول، بيْد أنَّ من مكارم أخلاق نبينا - صلى الله عليه وسلم - أن يقبل من الواهب هبته. ويرى الأكارم أن ردها هجنة في العادة، ووصمة على الواهب وأذية لقلبه، فبين اللهُ ذلك في حق رسول - صلى الله عليه وسلم - وجعله قرآنا يتلى، ليرفع عنه الحرج، ويُبطِل بُطْلَ الناس في عادتهم وقولهم.
قوله تعالى"خَالِصَةً لَّكَ"أي هبة النساء أنفسهن خالصة ومزية لا تجوز، فلا يجوز أن تهب المرأة نفسها لرجل. ووجه الخاصية أنها لو طلبت فرض المهر قبل الدخول لم يكن لها ذلك. فأما فيما بينَّا فللمفوضة طلب المهر قبل الدخول، ومهر المثل بعد الدخول.
أجمع العلماء على أن هبة المرأة نفسها غير جائز، وأن هذا اللفظ من الهبة لا يتم عليه نكاح، إلا ما روي عن أبي حنيفة وصاحبيه فإنهم قالوا: إذا وهبت فأشهد هو على نفسه بمهر فذلك جائز. قال ابن عطية: فليس في قولهم إلا تجويز العبارة ولفظة الهبة، وإلا فالأفعال التي أشترطوها هي أفعال النكاح بعينه ...
خص الله تعالى رسوله في أحكام الشريعة بمعان لم يشاركه فيها أحد - في باب الفرض والتحريم والتحليل - مزية على الأمة وهبت له، ومرتبة خص بها، ففرضت عليه أشياء ما فرضت على غيره، وحرمت عليه أفعال لم تحرم عليهم، وحللت له أشياء لم تحلل لهم، منها متفق عليه ومختلف فيه.
فأما ما فرض عليه فتسعة: الأول - التهجد بالليل، يقال: إن قيام الليل كان واجبا عليه إلى أن مات، لقوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا"