الصفحة 30 من 114

يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ". ومعلوم أنه لم يكن تحته أحد من بنات عمه ولا من بنات عماته ولا من بنات خاله ولا من بنات خالاته، فثبت أنه أحل له التزويج بها ابتداء. وهذه الآية وإن كانت مقدمة في التلاوة فهي متأخرة النزول على الآية المنسوخة بها، كآيتي الوفاة في"البقرة"."

وقد اختلف الناس في تأويل قوله تعالى:"إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ"فقيل: المراد بها أن الله تعالى أحل له أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها، قاله ابن زيد والضحاك. فعلى هذا تكون الآية مبيحة جميع النساء حاشا ذوات المحارم. وقيل: المراد"أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ"، أي الكائنات عندك، لأنهن قد اخترنك على الدنيا والآخرة، قال الجمهور من العلماء. وهو الظاهر، لأن قوله:"آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ"ماض، ولا يكون الفعل الماضي بمعنى الاستقبال إلا بشروط. ومجيء الأمرُ على هذا التأويل ضيقاًَ على النبي - صلى الله عليه وسلم -. ويؤيد هذا التأويل ما قاله ابن عباس: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتزوج في أي الناس شاء، وكان يشق ذلك على نسائه، فلما نزلت. هذه الآية وحرم عليه بها النساء إلا من سمى، سر نساؤه بذلك.

قلت: والقول الأول أصح لما ذكرناه ويدل أيضًا على صحته ما خرجه الترمذي عن عطاء قال؛ قالت عائشة رضي الله عنها: ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أحل الله تعالى له النساء. قال: هذا حديث حسن صحيح.

قوله تعالى:"وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ"أحل الله تعالى السراري لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ولأمته مطلقا، وأحل الأزواج لنبيه - صلى الله عليه وسلم - مطلقا، وأحله للخلق بعدد."مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ"أي رده عليك من الكفار. والغنيمة قد تسمى فيئا، أي مما أفاء الله عليك من النساء بالمأخوذ على وجه القهر والغلبة.

قوله تعالى:"وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ"أي أحللنا لك ذلك زائدا من الأزواج اللاتي أتيت أجورهن وما ملكت يمينك، على قول الجمهور، لأنه لو أراد أحللنا لك كل امرأة تزوجت وأتيت أجرها، لما قال بعد ذلك:"وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ"لأن ذلك داخل فيما تقدم.

قلت: وهذا لا يلزم، وإنما خص هؤلاء بالذكر تشريفا، كما قال تعالى: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) (الرحمن: 68) والله أعلم.

قوله تعالى:"اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ"فيه قولان: الأول: لا يحل لك من قرابتك كبنات عمك العباس وغيره من أولاد عبدالمطلب، وبنات أولاد بنات عبدالمطلب، وبنات الخال من ولد بنات عبد مناف بن زهرة إلا من أسلم، لقوله - صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله تعالى عنه) . الثاني: لا يحل لك منهن إلا من هاجر إلى المدينة، لقوله تعالى." (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ٌ) (الأنفال: 72) ا"ومن لم يهاجر لم يكمل، ومن لم يكمل لم يصلح للنبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كمل وشرف وعظم، - صلى الله عليه وسلم -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت