فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 424

أما المرض فلم أجد فيه شيئا إلا أقوال الفقهاء، والظاهر أنه مطلق في كل ما يثبت له وصف المرض، بلا تحديد في نوعه وقدره ولا خوف شدته، على وجوب القضاء يوما بيوم في المرض والسفر، من غير موالاة في أيام القضاء على الرأي الأرجح.

وقد استطردت هذا الاستطراد لا لأخوض في خلافات فقهية ولكن لتقرير قاعدة في النظر إلى الشعائر التعبدية، وارتباطها الوثيق بإنشاء حالة شعورية هي الغاية المقدمة منها. وهذه الحالة هي التي تحكم سلوك المتعبد وعليها الاعتماد الأول في تربية ضميره، وحسن أدائه للعبادة وحسن سلوكه في الحياة .. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أن نأخذ هذا الدين - كما أراده اللّه - بتكاليفه كلها، طاعة وتقوى وأن نأخذه جملة بعزائمه ورخصه، متكاملا متناسقا، في طمأنينة إلى اللّه، ويقين بحكمته، وشعور بتقواه.

ثم نعود إلى استكمال السياق: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» ..

وفي أول الأمر كان تكليف الصوم شاقا على المسلمين - وقد فرض في السنة الثانية من الهجرة قبيل فرض الجهاد - فجعل اللّه فيه رخصة لمن يستطيع الصوم بجهد - وهو مدلول يطيقونه - فالإطاقة الاحتمال بأقصى جهد - جعل اللّه هذه الرخصة، وهي الفطر مع إطعام مسكين .. ثم حببهم في التطوع بإطعام المساكين إطلاقا، إما تطوعا بغير الفدية، وإما بالإكثار عن حد الفدية، كأن يطعم اثنين أو ثلاثة أو أكثر بكل يوم من أيام الفطر في رمضان: «فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ» .. ثم حببهم في اختيار الصوم مع المشقة - في غير سفر ولا مرض: «وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» .. لما في الصوم من خير في هذه الحالة. يبدو منه لنا عنصر تربية الإرادة، وتقوية الاحتمال، وإيثار عبادة اللّه على الراحة. وكلها عناصر مطلوبة في التربية الإسلامية.

كما يبدو لنا منه ما في الصوم من مزايا صحية - لغير المريض - حتى ولو أحس الصائم بالجهد.

وعلى أية حال فقد كان هذا التوجيه تمهيدا لرفع هذه الرخصة عن الصحيح المقيم وإيجاب الصيام إطلاقا.

كما جاء فيما بعد. وقد بقيت للشيخ الكبير الذي يجهده الصوم، ولا ترجى له حالة يكون فيها قادرا على القضاء .. فعن مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ:"أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، كَبِرَ حَتَّى كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ، فَكَانَ يَفْتَدِي" [1] ..

(1) - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْآثَارِ لِلْبَيْهَقِيِّ (2681) حسن

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَخَالَفَهُ مَالِكٌ، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا مُنْقَطِعٌ وَقَدْ رُوِّينَاهُ، عَنْ قَتَادَةَ، مَوْصُولًا، عَنْ أَنَسٍ:"أَنَّهُ ضَعُفَ عَامًا قَبْلَ مَوْتِهِ، فَأَفْطَرَ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُطْعِمُوا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت