قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (1) سورة الحجرات
يُؤدِّبُ اللهُ تَعَالى في هذِهِ الآيَةِ عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ، وَيُعَلِّمُهُمْ أصُولَ مُخَاطَبَةِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - والتَّعَامُلِ مَعَهُ، وَتَوْفِيَتِه حَقَّهُ مِنَ التَّوقِيرِ والاحْتِرَامِ. فَيَقُولُ تَعَالى للْمُؤمِنين: لا تُسْرعُوا في القَضَاءِ في أمْرٍ قَبْل أن يَقْضِيَ لَكُم فِيهِ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَكُونُوا تَبَعًا لِقَضَائِهِما وَأمْرِهما، وَلاَ تَتَكَلَّمُوا في أمْرٍ قَبْلَ أنْ يَأتِيَ الرَّسولُ عَلَى الكَلامِ فِيهِ، وَلا تَفْعَلُوا فِعْلًا قَبْْلَ أنْ يَفْعَلَهُ الرَّسُولُ، واتَّقُوا اللهَ يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ، فَإِنَّهُ سَمِيعٌ لما تَقُولُونَ، عَلِيمٌ بِمَا تَفْعَلُونَ. [1]
هَذِهِ آدَابٌ، أَدَّبَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا يُعَامِلُونَ بِهِ الرَّسُولَ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ التَّوْقِيرِ وَالِاحْتِرَامِ وَالتَّبْجِيلِ وَالْإِعْظَامِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [وَاتَّقُوا اللَّهَ] }،أَيْ: لَا تُسْرِعُوا فِي الْأَشْيَاءِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَيْ: قَبْلَهُ، بَلْ كُونُوا تَبَعًا لَهُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، حَتَّى يَدْخُلَ فِي عُمُومِ هَذَا الْأَدَبِ الشَّرْعِيِّ حَدِيثُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ كَيْفَ تَقْضِي؟"قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» .قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -.قَالَ:"فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟.قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو. قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرَهُ ثُمَّ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ» [2]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 4492،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - سنن أبي داود (3/ 303) (3592) وسنن الدارمي (1/ 267) (170) و مسند أحمد (عالم الكتب) [7/ 347] (22007) 22357 وتفسير ابن كثير - دار طيبة [1/ 7] وجود إسناده والمسند الجامع [15/ 345] (11533 وهو حديث حسن
قَالَ الطِّيبِي: قَوْلُهُ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، الْمُبَالَغَةُ قَائِمَةٌ فِي جَوْهَرِ اللَّفْظِ وَبِنَاؤُهُ لِلْافْتِعَالِ وَلِلْاعْتِمَالِ وَالسَّعْيِ وَبَذْلِ الْوُسْعِ، وَنِسْبَتُهُ إِلَى الرَّأْيِ ; أَيْضًا تَرْبِيَةٌ إِلَى الْمَعْنَى، قَالَ الرَّاغِبُ: الْجُهْدُ: وَالْجُهْدُ طَاقَةٌ وَالْمَشَقَّةُ وَالْاجْتِهَادُ أَخْذُ النَّفَسِ بِبَذْلِ الطَّاقَةِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ، يُقَالُ: جَهَدْتُ رَأْيِي وَاجْتَهَدْتُ ; أَتْعَبْتُهُ بِالْفِكْرِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمْ يُرِدْ بِهِ الرَّأْيَ الَّذِي يَسْنَحُ لَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، أَوْ يَخْطُرُ بِبَالِهِ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، بَلْ أَرَادَ رَدَّ الْقَضِيَّةِ إِلَى مَعْنَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ; مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ وَفِي هَذَا إِثْبَاتٌ لِلْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ إِذَا وَجَدْتُ مُشَابَهَةً بَيْنَ الَّتِي أَنَا بِصَدَدِهَا وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي جَاءَ نَصٌّ فِيهَا مِنَ الْكِتَابِ، أَوِ السُّنَّةِ ; حَكَمْتَ فِيهَا بِحُكْمِهِمَا ; مِثَالُهُ: جَاءَ النَّصُّ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْبُرِّ وَلَمْ يَجِيءْ نَصٌّ فِي الْبِطِّيخِ قَاسَ الشَّافِعِيُّ الْبِطِّيخَ عَلَى الْبُرِّ لَمَّا وَجَدَ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ عِلَّةِ الْمَطْعُومِيَّةِ، وَقَاسَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ الْجِصَّ عَلَى الْبُرِّ لَمَّا وَجَدَ بَيْنَهُمَا مِنْ عِلَّةِ الْكَيْلِيَّةِ ... قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ اسْتِصْوَابٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَأْيِهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَلَا ارْتِيَابَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا كَدَحَ فِي التَّحَرِّي وَأَتْعَبَ الْقَرِيحَةَ فِي الِاسْتِنْبَاطِ ; اسْتَحَقَّ أَجْرًا لِذَلِكَ، وَهَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى أَصْلِ الِاجْتِهَادِ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى الْجُزْئِيَّاتِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُصِيبَ فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ، أَوْ يُخْطِيءَ فِيهَا ; فَإِذَا أَصَابَ ; ثَبَتَ لَهُ أَجْرَانِ أَحَدُهُمَا بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الرَّأْيِ، وَالْآخَرُ بِاعْتِبَارِ الْإِصَابَةِ، وَإِذَا أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَلَا عَلَيْهِ شَيْءٌ بِاعْتِبَارِ الْخَطَأِ"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2428) "