فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 113

الرهاب الفكري خوف مبرر من قِبل صاحبه ، إما على نفسه أو على من ينتمي إليه فيدفعه إلى المغالاة في الرعاية والعناية إلى حد مؤسف عليه من الانغلاق على الذات منهجًا وشخوصًا ، فيرتاب في كل متحدث لا ينتمي إلينا ، و كل خطيب لا ينتهج منهجنا ،وكل كاتب وكل كتاب وهكذا ، وكذلك إلى الطروحات.

ومن يتناول قضية قديمة بالتحليل ، أو بالتقديم لها بمقدمة تفسيرية معاصرة، فضلًا عن نقدها فيُحكم عليه بالتبديع أو التضليل -إلا ما رحم الله- ومن أمثلة ذلك:

مسألة تقسيم التوحيد:

هل التقسيم متفق عليه بين القرون الثلاثة المفضلة ؟

هل التقسيم مسألة من مسائل الاعتقاد أما من تبسيط العلوم أعني مسألة اصطلاح ؟

هل التقسيم الثلاثي (1) هو الصحيح أما التقسيم الثنائي (2) ؟

هل الزيادة على هذا التقسيم بدعة وضلالة لو جعلناه رباعيًا أو أكثر؟ (3)

(1) تقسيم شيخ الإسلام ابن تيمية ' انظر مجموع الفتاوى.

(2) تقسيم تلميذه العلامة ابن القيم انظر مدارج السالكين.

(3) قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ' في شرحه على عقيدة أهل السنة والجماعة: ( اعلم أن العلماء رحمهم الله قسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات فقد قسموه هذا التقسيم بناءً على التتبع والاستقراء ، واستئناسا بقول الله تبارك وتعالى {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} (مر يم:65) فإن هذه الآية تضمنت أنواع التوحيد الثلاثة فقوله تعالى { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } توحيد الربوبية ، وقوله تعالى { فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ } توحيد الألوهية ، وقوله تعالى { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} توحيد الأسماء والصفات ، لأن معنى قوله تعالى: { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أي لا

تعلم له نظيرا ومساويا في أسمائه وصفاته.

وقد قال بعض الناس: إن تقسيم التوحيد إلى هذه الأقسام الثلاثة بدعة ، لأن ذلك لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وما كان من أمور الدين لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه بدعة ولكننا نجيب

عن هذا فنقول: إن أشياء كثيرة رتبها العلماء لم تكن مرتبة في عهد الرسسول - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا لا يعدو أن يكون بيانا توضيحا ، فالذين قسموه إلى ثلاثة أقسام لم يأتوا بزائد،ولم ينكروا ثابتا ، بل أتوا بما جاء به الكتاب والسنة ولكن قسموه ، وتقسيمهم باعتبار اختلاف الناس فيه كما سنبين إنشاء الله .

ولو أننا سلكنا هذا المسلك الذى سلكه هذا الشاذ لقلنا أيضا: إن عدّ شروط الصلاة وأركانها وواجباتها ، وأركان الحج وواجباته ومحظوراته ، وما أشبه ذلك يعد من البدع.

ونحن لا نذكر متعبدين لله به ولكننا نذكر هذا مقربين العلم على طلابه ، فهو إذن وسيلة وليس قصدنا فالصواب بلا شك أن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام وذكر الشروط والأركان والواجبات والمفسدات في العبادات كل هذا جائز لأنه من باب الوسائل والتقريب وحصر الأشياء لطالب العلم ) اهـ صـ15 شرح عقيدة أهل السنة والجماعة - الشيخ محمد بن صالح العثيمين

قال الشيخ علي الخضير في كتابه (الوسيط شرح أول رسالة من مجموعة التوحيد ) [قال المصنف (وهو المجدد الشيخ محمد بن عبدالوهاب ') والتوحيد: ثلاثة أصول ؛ توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الذات ،) والأسماء، والصفات.

الشرح:

هذا هو تقسيم التوحيد المشهور وهو التقسيم الثلاثي ، ومن العلماء من قسمه تقسيما ثنائيا 1- توحيد علمي وأحيانًا يضاف عليه خبري أو اعتقادي . 2- توحيد عملي وأحيانًا يضاف عليه إيرادي طلبي أو قصدي ،

وهذا التقسيم لابن القيم ووافق المصنف عليه في بعض رسائله وجرى عليه أئمة الدعوة ، ذكره ابن القيم في مدارج السالكين والعلمي الخبري يشمل توحيدين: الربوبية والأسماء والصفات وأما العملي فيقصد به الألوهية .

والمصنف ' أحيانا يختصر ويقول إن التوحيد ينقسم إلى قسمين: ربوبية وألوهية ، ولا يذكر الأسماء والصفات اختصارا كما في الدرر 1 / 137 والتوحيد نوعان: توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية اهـ

وهناك من قسم التوحيد تقسيما ثلاثيا إلى توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد أسماء وصفات وهذا هو المشهور . وأيهم أفضل؟ هذا أجاب عنه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في أول كتاب التفسير: ( فقال يجوز هذا ويجوز هذا ا.هـ) أي التقسيم الثنائي أو الثلاثي لأن المعنى صحيح ولا مشاحة في الاصطلاح. وهل يجوز أن تقول أن التوحيد رباعي التقسيم وتضيف توحيد الحاكمية؟

يعنى إفراد الله بالحكم -والاهتمام بتوحيد الحاكمية وإفراده بالذكر لم يوجد إلا في القرون الأخيرة وهو في القرن الثالث عشر الهجري ولم يفرد إفرادا ظاهرًا إلا عندما وضعت القوانين الوضعية فجاء من يتكلم به وأن الحكم لله ، وإن كانت بداياته ظهرت في عصر ابن تيمية وابن كثير في ياسق التتار.

نقول هناك من له موقف خاص لمن يتكلم عن توحيد الحاكمية وهو مبنى على انتقاد تيار معين ( تيار الصحوة ) أو بناه على حوادث معينة لم يبنه على أنها مسألة علمية، وقد صدرت فتاوى بتبديع من أحدث توحيد الحاكمية.

والصحيح أنه لا بأس بأن نضيف توحيد الحاكمية ، ولا يقال عنه مبتدع ، والتبديع فيه خطأ ،لأن الذين قسموا التوحيد تقسيمًا ثنائيا فجاء من قسمة ثلاثيًا فإذًا هو مبتدع على هذا القول !.

وهناك من أهل العلم من قسم التوحيد تقسيمًا خماسيًا وأضاف توحيد الإتباع فهل هذا مبتدع أيضًا !، والقاعدة أنه لا مشاحة في الاصطلاح إذا كان صحيحًا ، ولو اقتضى الواقع إبراز توحيد معين والاهتمام به وجعله قسمًا مستقلًا وإن كان داخلًا في الأقسام قبله فلا مانع وهذا له نظائر كثيرة ، والحاكمية داخل في توحيد الأسماء والصفات ومبني على اسم الحكم كما في الحديث ( إن الله هو الحكم واليه الحكم ) ومبني على التصرف وهو من معاني الربوبية أي التصرف في الأمر والنهي ، فأي بدعة في ذلك ؟ وإنما المبدّع إما مجتهد مخطئ ـ وهذا يقال لمن عرف عنه الصدق ـ أو جاهل ضال أو مرقّع للحكام المبدلين وبوق لهم .

ونقول أيضا هناك من أهل العلم من جعل شروط لا إله إلا الله سبعة ، وبعضهم اجتهد وجعلها ثمانية فذكر شرط الكفر بالطاغوت ، مع أنه موجود ضمن الشروط السبعة لكن نظرا لأهميته فصله عن شرط المحبة وجعله مستقلا . فهذا عند بعض هؤلاء مبتدعا ؟ .

ومثل ذلك الإيمان فبعض السلف جعله من كلمتين هو قول وعمل ، فلما أحدث أهل البدع كلاما قال بعضهم هو قول وعمل واعتقاد ، فلما تكلم المرجئة في العمل قال السلف هو اعتقاد وقول وعمل بالأركان فأضافوا كلمة الأركان للتوضيح وبعضهم جعله قول وعمل واعتقاد ونية وبعضهم أضاف وإتباع .

وكل ما سبق صحيح لكن كل ما اقتضى المقام التوضيح أو الأهمية زاد السلف بقدر ذلك ، وهي ليست زيادة مخترعة لكنها موجودة في كلام من سبق وجود إجمال وتداخل . فعلى قاعدة بعض هؤلاء من زاد عن كلمتين في الإيمان فهو مبتدع .

مع أن من الأفضل استقرار الاصطلاحات وان لا يُولّد منها فتكثر وتطول ، واستقرارها على ثلاثة أكمل ( الربوبية الألوهية الأسماء والصفات) وعلموا ذلك بالتتبع والاستقراء والنظر في الآيات والأحاديث فوجدوا أن التوحيد لا يخرج عن هذه الأنواع الثلاثة فنوّعوا أو أصّلوا التوحيد إلى ثلاثة أصول أو أنواع ، ولا يخرج أي تقسيم عن هذه الثلاثة ، ولا يُفرد ويُلّد نوع إلا قد أُخذ من أحد الثلاثة ، لذا كان أقرب التقسيمات إلى كونه جامعا مانعا دقيقا وافيا بالغرض ، والله أعلم .

لكن من الخطأ تخطئة من قال قولا صحيحا هو ضمن كلام من سبقه بناء على مقررات سابقة ومقاصد فاسدة ، والله أعلم . (من كتاب الوسيط شرح أول رسالة من مجموعة التوحيد - علي بن خضير الخضير- صـ 13،12)

ويقول الشيخ عبدالرحمن عبد الخالق حفظه الله تعالى في مقاله (أقسام التوحيد، الاصطلاح والمضمون)

المعالجة البيانية التعليمية لقضية واحدة:

ومع أن قضية الإيمان بالله قضية واحدة إلا أنه يندرج تحتها عشرات بل مئات الفروع الداخلة فيها، ولذلك فإن هذه القضية جاءت مجملة ومفصلة.

فمن الإجمال قوله تعالى: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة:285) فهذه الآية جمعت الدين كله وأنه إيمان وسمع وطاعة، إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ثم سمع، وهذا يقتضي التصديق بكل ما يخبر الله به، وطاعة، وهذا معناه العمل بما يأمر الله به، ومن الإجمال قول النبي ' في جمع الدين كله {قل آمنت بالله ثم استقم} .

فهاتان الكلمتان {قل آمنت بالله ثم استقم} جمعت الدين كله لأن الدين إيمان بالله ثم استقامة على أمره... ويدخل في الإيمان بالله بكل ما يخبر به عن نفسه ورسله وغيبه، ويدخل في الطاعة الإسلام له في كل ما يأمر وينهى عنه.

وهذا الإجمال جاء مفصلًا تفصيلًا دقيقًا في كل صغيرة وكبيرة.

فجاء القرآن ببيان أسماء الله وصفاته وأفعاله، وما يحبه وما يبغضه، والقرآن كله حديث عن الله سبحانه وتعالى فهو تفصيل لمعنى الإيمان به وطاعة، والسنة كلها تفصيل وبيان للقرآن، وشرح لمعنى الإيمان بالله، وطاعته جل وعلا.

عمل علماء الإسلام في تعليم الدين وبيانه:

ثم جاء علماء الإسلام فقسموا علم الدين إلى علوم كثيرة، وكل علم متفرقة وكل فرع من فروع العلوم إلى أبواب وكل باب إلى فصول ومباحث، ومسائل، فنشأت علوم خاصة بالقرآن الكريم كالقراءات والتفسير وأسباب النزول، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والمجمل والمفصل... الخ

ونشأت علوم خاصة بالسنة كمصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل والكتب الخاصة بالصحيح والكتب الخاصة بالضعيف والموضوع.

ونشأ كذلك علم التوحيد الذي بدأ الردود على المنحرفين في العقائد، ومسائل الإيمان كالخروج، وتحريف أسماء الله وصفاته، والشرك به، ثم أفردت الكتب لجمع مسائل الإيمان الاعتقادية وتبويبها وتصنيفها.

وكذلك سائر العلوم من السيرة والتاريخ والأخلاق والتهذيب.. الخ

وأصبح كل علم من هذه العلوم تقسيماته ومصطلحاته ورجاله وكتبه.

عمل علماء الإسلام في علم التوحيد:

وعلم التوحيد لقي العناية الفائقة من أصحاب النبي '، وعلماء الإسلام، والسنة من التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يم الدين لأنه أصل الدين، وعليه تبني جميع الأحكام، ويتوقف على العلم والعمل به الإيمان والكفر فمن ذلك:

(1) الرد بنصوص الكتاب والسنة على أي انحراف فيه كما فعل ابن عمر _ عندما سمع أنه هناك من أهل الإسلام من ينكر القدر فقال لمن أخبره بهذا الخبر: أخبرهم أنني منهم برئ، وأن الله لا يقبل من أحدهم صرفًا ولا عدلًا إلا أن يؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى، واستدل على ذلك بحديثه عن أبيه وهو حديث جبريل وفيه: [وأن تؤمن بالقدر خيره شره من الله تعالى] ، والشاهد أن ابن عمر رد على من نفى القدر، وأن الله لا يقبل منه عملًا صالحًا، واستدل حديث النبي ' في ذلك.

ومن ذلك ردود ابن عباس وعلي بن أبي طالب _ على الخوارج من الكتاب والسنة.

(2) ثم جاء دور التأليف فألف علماء الإسلام عشرات بل مئات الرسائل في الرد على المخالفين في العقائد ككتاب أحمد بن حنبل ' الذي سماه (الرد على الزنادقة) وهم القائلون بأن الله بذاته في كل مكان، والردود على الجهمية والمعطلة.. الخ

(3) ثم ألفت الكتب في بيان معتقد أهل السنة والجماعة في جميع المسائل التي اختلف فيها أهل الإسلام.

(4) ومن عمل علماء الإسلام في هذا الصدد تحريم قراءة الكتب التي ألفت في العقائد والتي جعلت الأصل في معرفة العقيدة هو العقل، وهي الكتب التي سمت علم التوحيد علم الكلام فقد حرم علماء الإسلام النظر فيها، وتعلم الدين والمعتقد بواسطتها.

(5) وكذلك أبطل علماء الإسلام استعمال مصطلحاتهم في هذا العلم لأنها تتضمن حقًا وباطلًا كالجسم والجوهر، والعرض، والهيولي، وتساهلوا في بعض المصطلحات التي لا تتضمن باطلًا كلفظ القديم بمعنى الأول.

(6) ووضع علماء التوحيد كذلك الحدود والشروط والأركان والواجبات لقضية الإيمان، وكذلك النواقض التي تخرج من الإيمان، والمخالفات التي تخالف الإيمان ولا تنقض أصله، وكل ذلك لضبط هذا العلم، وبيان حدوده كقولهم مثلًا الإيمان قول باللسان، وإقرار بالجنان، وعمل بالجوارح، واختلافهم في العمل هل هو شرط صحة أو شرط وجوب، أو شرط كمال، واختلافهم في العمل المخرج من الملة بذاته، والعمل الذي لا يخرج من الملة إلا إذا اقترن به استحلال.. الخ

كقول بعض أهل السنة إن ترك الصلاة كسلًا ولو دون جحود مخرج من الملة، وكقول بعضهم بل الصلاة شرط وجوب ولا تخرج المسلم من الإسلام لملة الكفر إلا بجحدها.. الخ

أقسام التوحيد:

ومما صنعه بعض علماء السنة المتأخرين مما يدخل في باب التعليم والتقريب، وتقسيم التوحيد إلى قسمين: العلم والعمل، فالتوحيد العلمي معناه تعلم أسماء الله وصفاته ومعاني الإيمان به، وتصديق ذلك بالقلب، وأما توحيد العمل فهو أن يعمل المسلم بمقتضى هذا التصديق فلا يعبد إلا الله ولا يرجو إلا هو، ولا يجب حب عبادة إلا له، ولا يسجد إلا له، لا يحاكم إلا إليه.. الخ

وهذا التقسيم ليس خاصًا بالتوحيد لأن كل أعمال الدين لا بد فيه من العلم والعمل فالصوم لا يكون إلا باعتقاد فرضيته، وتصور تشريعه تصورًا صحيحًا ثم القيام به على النحو الذي أمر العبد به وأن يكون ذلك لله وحده لأنه عبادة خاصة به سبحانه وتعالى وهكذا سائر العبادات.

وتقسيم التوحيد إلى قسمين إنما هو نوع من التعليم حتى يعلم العبد أنه لا يكفي في التوحيد العلم دون العمل ولا العمل دون العلم.

وجاء من أهل العلم من قسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام باعتبار موضوعاته الكبرى فجعل الربوبية قسمًا، وعنى بالربوبية بعض معاني الرب من الخلق والتدبير والتصرف والملك، والقهر والغلبة، وجعل الألوهية قسمًا وعنى بها المعبود، وجعل جميع أسمائه وصفاته قسمًا وسماه توحيد الأسماء والصفات، وسمى كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة توحيدًا، وأنه لا يكون موحدًا على الحقيقة إلا من أقر بها جميعها.. وأقر بأن الله وحده دون ما سواه هو خالقه وخالق الكون كله، وأنه مالك الملك، والمتصرف فيه وحده، وأقر بأن الله وحده هو إله الناس وإله العالمين والخلق أجمعين، وأنه لا معبود بحق غيره، وأن كل إله غيره باطل، وأن جميع أصناف العبادة لا تصرف إلا له، ومن صرف شيئًا لغيره فهو مشرك، وكذلك جعل توحيد الأسماء والصفات قسمًا وهو الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله، وأن صفاته على النحو الذي يليق به.

مقاصد من قسّم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:

وكان من مقاصد هذا التقسيم الثلاثي لمعاني التوحيد، وقضية الإيمان بالله، تعليم الناس أنه لا يكون مؤمنا إلا من جمع هذه الأقسام الثلاثة، وأن من آمن ببعض صفات الله وكفر ببعضها فهو كافر، فمن آمن بالله خالقًا ورازقًا ومالكًا، ولم يؤمن به إلهًا ولكنه جحد بعض ما وصف به نفسه كالاستواء، والنزول إلى سماء الدنيا، ورؤية المؤمنين له في الآخرة، أو نفي كلامه، أو رحمته أو غضبه، فهو كافر لأنه جحد بعض ما وصف به نفسه سبحانه وتعالى.

لماذا دعت الحاجة إلى هذا التقسيم الثلاثي:

وهذا التقسيم الثلاثي لم ينص عليه أحد في القرون الثلاثة الأولى فإن التوحيد ومسائل الإيمان بالله كانت معلومة من كتاب الله وسنة رسوله بل كان من ضرورات الدين العلم بأن العبد لا يكون موحدًا حقًا إلا إذا آمن بالله ربًا وإلهًا وخالقًا ورازقًا وملكًا، وآمن بكل ما أخبر به عن نفسه أو أخبر به رسوله '، وإنما دعت الحاجة إلى هذا لتيسير فهم التوحيد، والتعريف بجميع جوانبه فإن تقسيم الأمر المجمل إلى أقسام يسهل فهمه وحفظه.

ولعل أول من ذكر هذا التقسيم بالتفصيل والتعريف هو شيخ الإسلام ابن تيمية '،[ قال مقيده عفا الله عنه وعن والديه: ومن باب الفائدة حول تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، ذكر الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله ، في كتابه التحذير من مختصرات الصابوني (ص30) ( هذا التقسيم الاستقرائي لدي متقدمي علماء السلف ، أشار إليه ابن منده وابن جرير الطبري وغيرهما ، وقرره شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم ، وقرره الزبيدي في تاج العروس وشيخنا الشنقيطي في أضواء البيان في آخرين رحم الله الجميع، وهو استقراء تام لنصوص الشرع ، وهو مطرد لدى أهل كل فن، كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تفه بهذا ، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب، وهكذا من أنواع الاستقراء) انتهى

وجاء التقسيم عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة رحمه الله، كما في كتاب التوحيد لابن منده (3/304-3069 والحجة للأصبهاني(1/111-113)

قال الإمام ابن بطة في كتابه"الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية":(وذلك أن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:

احدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مباينا لأهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعا.

والثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مباينا بذلك أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره.

والثالث: أن يعتقده موصوفا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفا بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه … ولأنا نجد الله تعالى قد خاطب عباده بدعوتهم إلى اعتقاد كل واحدة من هذه الثلاث والإيمان بها )ا.هـ ]

فقد ذكر الأقوال السابقة وفصل في هذا الأمر. وذلك لانتصابه ' للرد على جميع المخالفين في التوحيد من أهل الكلام والفلسفة، ومن أهل التصوف ووحدة الوجود، ومن القدرية -نفاة القدر- والجبرية، ومن الذين وقعوا في شرك الألوهية فإن كل فريق من هؤلاء أقر بنوع من التوحيد وكذب بالآخر، وكثير منهم تصور التوحيد الذي ينادي به على وجه مغلوط، فانتصب شيخ الإسلام ' لتفصيل هذا الأمر وإعطائه حدوده وضوابطه ومما قرره في ذلك قوله:

"وبهذا وغيره يعرف ما وقع الغلط في مسمى التوحيد فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر: غايتهم أن يجعلوا التوحيد (ثلاثة أنواع) ."

فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له وواحد في أفعاله لا شريك له.

وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث، وهم (توحيد الأفعال) وهو خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب!! وأن هذا هو معنى قولنا لا إله إلا الله، حتى قد يجعلوا معنى الإلهية القدرة على الاختراع.

ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد ' أولًا: لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء حتى أنهم كانوا يقرون بالقدر أيضًا، وهم مع هذا مشركون.

فقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك، ولكن غاية ما يقال: إن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقًا لغير الله كالقدرية وغيرهم، ولكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا أنهم خلقوا أفعالهم.

وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم، الذين يجعلون أن بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور، هم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة، لا يقولون إنها غنية عن الخالق مشاركة له في الخلق فأما من أنكر الصانع فذاك جاحد معطل للصانع، كالقول الذي أظهره فرعون.

والكلام الآن مع المشركين بالله، المقرين بوجوده، فإن هذا التوحيد الذي قرروه لا ينازعهم فيه هؤلاء المشركون بل يقرون به مع أنهم مشركون، كما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، وكما علم بالاضطرار من دين الإسلام.

وكذلك (النوع الثاني) وهو قولهم: لا شبيه له في صفاته فإنه ليس في الأمم من أثبت قديمًا مماثلًا في ذاته سواء قال أنه يشاركه أو قال: إنه لا فعل له، بل من شبه به شيئًا من مخلوقاته فإنما يشبهه به بعض الأمور.

وقد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل في المخلوقات يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع عليه، فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين كما تقدم.

وعلم أيضًا بالعقل أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلا بد بينهما من قدر مشترك كاتفاقهما في مسمى الوجود، والقيام بالنفس، والذات ونحو ذلك فإن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض، وأنه لابد من إثبات خصائص الربوبية وقد تقدم الكلام على ذلك.

ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى التوحيد فصار من قال: إن لله علمًا أو قدرة، أو أنه يرى في الآخرة، أو أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق يقولون: أنه مشبه ليس بموحد.

وزاد عليهم غلاة الفلاسفة والقرامطة، نفوا أسماءه الحسنى، وقالوا من قال إن الله عليم قدير، عزيز حكيم، فهو مشبه ليس بموحد.

وزاد عليهم غلاة الغلاة قالوا: لا يوصف بالنفي ولا الإثبات لأن في كل منهما تشبيهًا له، وهؤلاء كلهم وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات، والمعدومات، والجمادات فرارًا من تشبيههم بزعمهم له بالأحياء.

ومعلوم أن هذه الصفات الثابتة لله لا تثبت على حد ما يثبت لمخلوق أصلًا، وأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلا فرق بين إثبات الذات وإثبات الصفات، فإذا لم يكن في إثبات الذات إثبات مماثلة للذوات، لم يكن في إثبات الصفات إثبات مماثلة له في ذلك، فصار هؤلاء الجهمية المعطلة يجعلون هذا توحيدًا، ويجعلون مقابل ذلك التشبيه ويسمون أنفسهم الموحدين.

وكذلك (النوع الثالث) وهو قولهم: واحد لا قسيم له في ذاته أو لا جزء له، أو لا بعض له لفظ مجمل، فإن الله سبحانه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فيمتنع عليه أن يفترق، أو يتجزأ أو يكون قد ركب من أجزاء، لكنهم يدرجون في هذا لفظ نفي علوه على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد.

فقد تبين أن ما يسمونه توحيدًا: فيه ما هو حق، وفيه ما هو باطل، ولو كان جميع حقًا، فإن المشركين إذا أقروا بذلك كله لم يخرجوا من الشرك الذي وصفهم به في القرآن، وقاتلهم عليه الرسول '، بل لا بد أن يعترفوا أنه لا إله إلا الله.

وليس المراد (بالإله) هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع دون غيره، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أن لا إله إلا هو.

فإن المشركين كانوا يقرون هذا الاسم وهم مشركون كما تقدم بيانه، بل الإله الحق هو الذي يستحق بأن يعبد فهو إله بمعنى مألوه، لا إله بمعنى آله، والتوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إلهًا آخر.

وإذا تبين أن غاية ما يقرره هؤلاء النظار أهل الإثبات للقدر المنسبون إلى السنة إنما هو توحيد الربوبية، وأن الله رب كل شيء، ومع هذا فالمشركون كانوا مقرين بذلك مع أنهم مشركون.

وكذلك طوائف من أهل التصوف، والمنتسبين إلى المعرفة، والتحقيق والتوحيد، غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد، وأن يشهد أن الله رب كل شيء، ومليكه وخالقه، لاسيما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية بحيث يفني من لم يكن، ويبقى من لم يزل، فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها.

ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلمًا، فضلًا عن أن يكون وليًا لله، أو من سادات الأولياء.

وطائفة من أهل التصوف والمعرفة، يقرون هذا التوحيد مع إثبات الصفات، فيفنون في توحيد الربوبية مع إثبات العالم، المباين لمخلوقاته، وآخرون يضمون هذا إلى نفي الصفات، فيدخلون في التعطيل مع هذا، وهذا شر من حال كثير من المشركين.

وكان جهم ينفي الصفات ويقول بالجبر، فهذا تحقيق قول جهم، لكنه إذا أثبت الأمر والنهي، والثواب والعقاب، فارق المشركين من هذا الوجه لكن جهمًا ومن اتبعه يقول بالإرجاء، فيضعف الأمر والنهي، والثواب والعقاب عنده.

والنجارية والضرارية وغيرهم يقربون من جهم في مسائل القدر والإيمان مع مقاربتهم له أيضًا في نفي الصفات.

والكلابية الأشعرية، خير من هؤلاء في باب الصفات فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة كما فصلت أقوالهم في غير هذا الموضع.

وأما في باب القدر، ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة.

والكلابية هم أتباع أبي محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب، الذي سلك الأشعري خطته.

وأصحاب ابن كلاب كالحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي ونحوهما خير من الأشعرية في هذا وهذا فلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب كان قوله أعلى وأفضل.

والكرامية قولهم في الإيمان قول منكر، لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمان قول اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمنًا، لكنه يخلد في النار فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم، وأما في الصفات والقدر والوعيد فهم أشبه من أكثر طوائف الكلام التي في أقوالها مخالفة للسنة.

وأما المعتزلة فهم ينفون الصفات، ويقاربون قول جهم، لكنهم ينفون القدر، فهم وإن عظموا الأمر والنهي والوعد والوعيد ورغبوا فيه فهم يكذبون بالقدر، ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب، والإقرار بالأمر والوعد والوعيد مع إنكار القدر خير من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر والنهي والوعد والوعيد.

ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين من ينفي الأمر والنهي والوعد والوعيد وكان قد نبغ فيهم القدرية كما نبغ فيهم الخوارج: الحرورية، وإنما يظهر من البدع أولًا ما كان أخفى، وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدعة.

فهؤلاء المتصوفون الذين يشهدون الحقيقة الكونية مع إعراضهم عن الأمر والنهي شر من القدرية المعتزلة ونحوهم، أولئك يشبهون المجوس وهؤلاء يشبهون المشركين، الذين قالوا {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} والمشركون شر من المجوس.

فهذا أصل عظيم على المسلم أن يعرفه فإنه أصل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر، وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. انتهى (مجموع الفتاوى 97-105) . قلت: انتصاب شيخ الإسلام للرد على هذه الفرق ومخالفتها للدين الحق هو الذي حتم تقسيم التوحيد على هذا النحو الذي قسمه ليبين للمخالفين أن ما أقروا به من التوحيد والإيمان لا يكفي للعبد ليكون موحدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت