ولا شك أن حسن الطباع, وروح التسامح, ونبل الأخلاق التي تحلى بها المسلمون في ريادتهم للحضارة الدينية كانت العون الأكبر على سمو الحضارة الإسلامية في كل البلاد التي فتحها المسلمون وعاش الناس حياتهم, سعادة وهناء. ففي الأندلس يقول المستشرق استانلي لين بول: لم تنعم الأندلس طوال تاريخها بحكم رحيم, عادل, كما نعمت به في أيام الفاتحين العرب"."
ويقول غوستاف لوبون:"كان العرب يفوقون النصارى كثيرا في الأخلاق والعلوم والصناعات, وكان من طبائع العرب الكرم, والإخلاص, والرحمة, مما لا نراه في غيرهم, وكان من طبائعهم النبل, والوقار والعزة مما كان يؤدي الإفراط فيه إلى المبارزة والشحناء."
ولم تكن أخلاق المسلمين الحضارية فترة عارضة, ولا حالة فردية بل كانت سيرة أصيلة عامة في عهد الخلافة الإسلامية, وما شذ عنها فحالات نادرة لا يقاس, ولا يحكم بناء عليها, وفي هذا يقول ول ديوراند. إن قيام الحضارة الإسلامية واضمحلالها لمن الظواهر الكبرى في التاريخ. لقد ظل الإسلام خمسة قرون من عام 700 إلى عام 1200 يتزعم العالم في القوة, والنظام, وبسطة الملك, وجميل الطباع والأخلاق, وفي ارتفاع مستوى الحياة, وفي التشريع الإنساني الرحيم, والتسامح الديني, والآداب والبحث العلمي, والعلوم, والطب, والفلسفة, وفي العمارة وأسلم مكانته الأولى في القرن الثاني عشر إلى الكنائس الكبرى الأوروبية.
وإن تاريخنا الذي اطلع عليه غيرنا, وكتبوا جزءا كبيرا منه, وهم شواهد على الحضارات, وأقرب الحضارة عهدا موثقا, وتاريخا مشاهدا مدونا, هو تاريخ الحضارة الإسلامية. وربما كانت تقارير أهل الحضارة الأوروبية من العلماء المحايدين علميا, الذين لم تستول عليهم العصبيات أقدر الناس على تقديم الصورة الصحيحة لتاريخ حضارة الإسلام. ومن خلال تقاريرهم وتحليلاتهم نستل الحقائق ونقرر الأصول التاريخية لحضارة الإسلام في مبادئها وتطبيقاتها الفريدة في التاريخ.