إن نجاح الحضارة بمقدار ما تحققه من سعادة للبشر, وهذا ما لم يتحقق في حضارات الأرض المصنوعة مبادؤها وأخلاقياتها من أربابه أو مقاييس البشر, لا تعدوا المادة, وقد تغلبها الأهواء بل تغلبها لاريب ولا أدل على ذلك من حضارة الناس اليوم, فقد بلغ شأن الإنسان فيها مبلغا عظيما, وتيسرت له وسائل العيش والترف والرفاه بما لم يتسير لغيره أو تبلغه حضارة من قبل, ومع هذا فإن السعادة بعيدة المنال, بل تكاد العلاقة عكسية, إذ كلما زاد الرخاء, والترف, وبلغ الإنسان من إنجاز المخترعات ما يحير العقول, ووصل إلى أعلا درجات الدقة, والإتقان زاد معه اضطراب النفس, والقلق حتى غدت هذه أمراضا مستعصية تقام لها المستشفيات المتخصصة, وتدرس من أجلها علوم خاصة بها. بل أصبحت الآلام النفسية, والأمراض السارية من أكبر ما يواجه الدول, وحسب كثير من الدول أن تتابع إحصائيات حوادث الانتحار, وانتشار الجرائم المنظمة, وما إلى ذلك.
وحينما نقول: إن الدين منقذ الحضارة, وأن الدين منقذ العلم والعقل بل حاميهما من الانحراف, وأنه نمير الحياة والسعادة الحقيقية ربما يستبعد البعض ذلك, وقد نعجز أن نبرهن له من وقائع الحضارة سوى الإسلام, فإن وقائع الأحوال دليل شاخص يصعب إنكاره. ولكن حضارة الإسلام خير شاهد على أن العلم بحاجة إلى الدين, بحاجة إلى أخلاق ربانية لا بشرية, تسمو بالعقل, وتمزج بين الدين والعلم لتحقق بهما سعادة الإنسان في دنياه وأخراه. وإن واقع الحضارة الإسلامية مما يجب الاطلاع عليه ودراسته, فالتاريخ خير معين على المستقبل تستدرك فيه الأخطاء, وتعزز فيه الفوائد والإنجازات.
وحضارة الإسلام مذ وجدت تعني بالإنسان, والحفاظ على جنسه, وحماية عقله وتطوير علمه غير ناظرة لجنس أو لون بل إنسانية شاملة.