حضارة الإسلام حضارة العلم والعقل, بل حضارته قامت على المزج بينهما, فلم يشهد تاريخه الطويل عداء مع العقل أو العلم, وقد ورث المسلمون حضارتي فارس والروم, فما أحرقوا كراسا واحدا رغم ضخامة الغث في تلك الموروثات, لكنهم احتفوا بعلومهم, واحترموا عقولهم, فترجموا الصالح من كتبهم, واستوعبوا ما فيها, وأثروها بالبحث والدرس والتطوير, فكان انتقال الحضارة الفارسية والرومية إلى الإسلام انتقال احتفاء, واحتضان, وتقدير للعقل والعلم, مع تصفية ونقد علمي رفيع.
ولا يشارك الإسلام في هذا السمو حضارة سلفت أو لحقت, بل التاريخ يفضح تلك الحضارات التي قامت على القوة, والظلم, والهمجية, وإهانة العقل. وما حضارة الغرب اليوم من هذه الهمجية ببعيد, فرغم أنهم بنوا حضارتهم على ما نقلوه, وترجموه من كتب المسلمين في آخر معاقلهم في الأندلس, وإبان الحركة الصليبية إلا أنهم لم يتنزهوا عن الهمجية, فأحرقوا على سبيل المثال في يوم واحد في غرناطة ما يقدر بمليون كتاب, وأحرقوا في بلاد الشام في طرابلس والمعرة, والقدس, وغزة, وعسقلان ما يزيد عن ثلاثة ملايين مجلد.