ولقد أدرك هذه الثمار بعض المؤرخين الغربيين, ونترك ول ديورانت يصف لنا هذه الحقيقة التاريخية الناصعة فيقول: إن التسامح الديني الذي كان ينتهجه المسلمون الأولون, أو بسبب هذه الخطة, اعتنق الدين الجديد معظم المسيحيين, وجميع الزردشتيين, والوثنيين إلا عددا قليلا جدا منهم, وكثيرون من اليهود في آسيا, ومصر وشمالي أفريقية. فقد كان من مصلحتهم المالية أن يكونوا على دين الطبقة الحاكمة, وكان في وسع أسرى الحرب أن ينجوا من الرق إذا نطقوا بالشهادتين ورضوا بالختان. واتخذ غير المسلمين على مر الزمن اللغة العربية لسانا لهم, ولبسوا الثياب العربية, وبعد ذلك يقول: ثم انتهى الأمر باتباعهم شريعة القرآن واعتناق الإسلام. وحيث عجزت الهلينية عن أن تثبت قواعدها بعد سيادة دامت ألف عام, وحيث تركت الجيوش الرومانية الآلهة الوطنية ولم تغلبها على أمرها, وفي البلاد التي نشأت فيها مذاهب مسيحية خارجة على مذهب الدولة البيزنطية الرسمي, في هذه الأقاليم كلها انتشرت العقائد والعبادات الإسلامية, وآمن السكان بالدين الجديد وأخلصوا له, واستمسكوا بأصوله إخلاصا واستمساكا أنساهم بعد وقت قصير آلهتهم القدامى, ولم يكن هذا خاصة بدول وشعوب محددة فيقول: لقد استحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب ف ي البلاد الممتدة من الصين, وأندونيسيا, والهند, إلى فارس, والشام, وجزيرة العرب, ومصر وإلى مراكش, والأندلس; وتملك خيالهم, وسيطر على أخلاقهم, وصاغ حياتهم, وبعث فيهم آمالا تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها, وأوحى إليهم العزة والأنفة, ووحد هذا الدين بينهم, وألف قلوبهم مهما يكن بينهم من الاختلافات والفروق السياسية.
المبحث الثاني
حضارة العلم والعقل