فالإسلام دين العقل حقا , ولا يعني ذلك أن يجعل العقل حاكما, أو محسنا أو مقبحا في أمور الشريعة والعقيدة مستقلا الحكم, لا إنما المراد أن الإسلام لا يصدم العقل فيما ينبغي أن يدركه العقل في أمور المحسوسات وحكم العبادة, أن العقل يتقبل أحكام الشرع, فهي معللة بمصالح العباد. فالشرع حاكم على العقل لا ريب. فهو الذي يحدد له مسائل الغيب والحسن والقبح الشرعيين, فالحسن ما حسنه الشرع, والقبيح ما قبحه الشرع, والعقل يسلم بذلك. فمسائل غيب الآخرة, وعذاب القبر وما إلى ذلك لا شأن للعقل فيها; لأنه لا مدخل له إليها, إلا الوهم, والخيال, وهما ليسا مصدرا للعلم. وكذلك لا شأن للعقل في أمور الدين في المتشابه والمحكم, فالمتشابه يؤمن به ويكل أمره إلى الله. والمحتم محطه التسليم المطلق, وذلك قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب, وأخر متشابهات, فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب) (آل عمران: 7) وما وراء ذلك فالعقل مطلق النظر, ولذا حث القرآن الكريم العقل على التدبر والاعتبار, وأمره بقياس الأشباه والنظائر. فقال تعالى: فاعتبروا يا أولي الأبصار وقد كثرت الآيات المختومة ب أفلا يعقلون وأفلا يتفكرون وأف لايتدبرون و وأفلا يبصرون .
وكان أول توجيه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - التعلم قال تعالى: اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم (العلق: 1ـ5) .