فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 61

وجرت العادة أيام الرشيد بأن يخرج النصارى في موكب كبير وبين أيديهم الصليب وكان ذلك في يوم عيد الفصح.

ويذكر لنا المقدسي في أحسن التقاسيم أن الأسواق في شيراز كانت تزين في أعياد النصارى, وأن المصريين كانوا يحتفلون ببدء زيادة النيل في وقت عيد الصليب.

ومن مظاهر التسامح الديني في حضارتنا أن كثيرا من الكنائس كان يصلي فيها المسلمون والمسيحيون في وقت واحد إبان الفتح الإسلامي ! فقد سمح النبي صلى الله عليه وسلم لنصارى نجران أن يصلوا في مسجده بجانب المسلمين وهم يصلون صلاتهم. وفي كنيسة يوحنا الكبرى في دمشق التي أصبحت الجامع الأموي فيما بعد. رضي المسيحيون حين الفتح أن يأخذ المسلمون نصفها, ورضي المسلمون أن يصلوا فيها صلاتهم, فكنت ترى في وقت واحد أبناء الديانتين يصلون متجاورين. هؤلاء يتجهون إلى القبلة, وأولئك يتجهون إلى الشرق. وإنه لمظهر عجيب فريد في التاريخ له مغزى عميق في الدلالة على التسامح الديني الذي بلغته حضارتنا.

حرية العمل مكفولة للأكفاء:

ومن مظاهر التسامح الديني أن كانت الوظائف تعطى للمستحق الكفء, بقطع النظر عن عقيدته ومذهبه. وبذلك كان الأطباء المسيحيون في العهدين الأموي والعباسي محل الرعاية لدى الخلفاء. وكان لهم الإشراف على مدارس الطب في بغداد ودمشق زمنا طويلا. كان ابن أثال الطبيب النصراني طبيب معاوية الخاص. وكان"سرجون"كاتبه. وقد عين مروان"اثناسيوس"مع آخر اسمه إسحاق في بعض مناصب الحكومة في مصر, ثم بلغ مرتبة الرئاسة في دواوين الدولة, وكان عظيم الثراء واسع الجاه, حتى ملك أربعة آلاف عبد وكثيرا من الدور والقرى والبساتين والذهب والفضة, وقد شيد كنيسة في الرها من إيجار أربعمائة حانوت كان يملكها فيها, وبلغ من شهرته أن وكل إليه عبد الملك ابن مروان تعليم أخيه الصغير عبد العزيز الذي أصبح واليا على مصر فيما بعد وهو والد عمر بن عبد العزيز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت