ولقد بلغ شأو التسامح وهو في الوقت ذاته دليل قوة, وسيطرة وعدل أن رؤساء الديانات من أهل الكتاب يعينهم الخليفة أو أمير المؤمنين, ولم يكن هذا الاعتماد, تعيينا دون رأيهم أو جبرا عنهم. بل كان يتم بعد اختيارهم لمن يرغبونه رئيسا ومرجعا دينيا لهم. إنها قمة التسامح. يقول: آدم متز فكان الجاثليق النسطوري, رئيس المسيحيين الشرقيين, بعد أن انتقل مركز الدولة الإسلامية إلى الشرق, وهو الرئيس الأكبر للنصرانية, وكانت تنتخبه الكنيسة ويصادق الخليفة على انتخابه, ويكتب له عهدا كما يكتب لكبار العمال والمتصرفين, وقد ورد في نسخة عهد الجاثليق عام 533 هـ .1139 م"ولما أنهيت حالك إلى أمير المؤمنين, وأنك أمثل أهل ملتك طريقة, وأقربهم إلى الصلاح مذهبا..وحضر جماعة من النصارى الذين يرجع إليهم في استعلام سيرة أمثالك...فاتفقوا باجتماع من آرائهم وأهوائهم على اختيارك لرياستهم ومراعاة شؤونهم, وتدبير وقوفهم, والتسوية في عدل الوساطة بينهم, قويهم وضعيفهم, وسألوا أيضا نصبك عليهم بالإذن الإمامي الأشرف لا زالت أوامره معضودة بالتوفيق بترتيبك جاثلقيا لنسطوري النصارى بمدينة السلام, ومن تضمنته ديار الإسلام, وزعيما لهم, ومن عداهم من الروم, واليعاقبة, والملكية في جميع البلاد, وكل حاضر في هذه الطوائف وباد وانفرادك عن كافة أهل ملتك بتقمص أهبة الجثلقة المتعارفة في أماكن صلواتكم, ومجامع عباداتكم غير مشارك في هذا لإنسان, ولا مفسح في التحلي به لمطران أو أسقف أو شماس حطا لهم عن رتبتك ووقوفا بهم دون محلك; وإن ولج أحد في باب المجادلة...وأبى النزول على حكمك..كانت العقوبة به حائقة حتى تعتدل قناته...وأمر بحملك على مقتضى الأمثلة الإمامية في حق من تقدمك من الجثالقة...والحياطة لك ولأهل ملتك في الأنفس, والأموال, والحراسة للكافة بصلاح الأحوال واتباع العادة المستمرة في مواراة أمواتكم وحماية بيعكم ودياراتكم..."