ولم تكن الحكومة الإسلامية تتدخل في الشعائر الدينية لأهل الذمة, بل كان يبلغ من بعض الخلفاء أن يحضر مواكبهم وأعيادهم ويأمر بضيافتهم, وفي حالة انقطاع المطر كانت الحكومة تأمر بعمل مواكب"يسير فيها النصارى, وعلى رأسهم الأسقف, واليهود ومعهم النافخون في الأبواق"; وكذلك ازدهرت الأديرة في هدوء.
ولم يكن عمرو بن العاص في مصر أقل سخاء من عمرابن الخطاب في القدس حين عامل النصارى برفق وإنصاف, فهو قد شمل الديانة النصرانية بعطفه وحمايته بل إن من مظاهر التسامح الديني أن كانت المساجد تجاور الكنائس في ظل حضارتنا الخالدة, وكان رجال الدين في الكنائس يعطون السلطة التامة على رعايتهم في كل شؤونهم الدينية والكنسية, لا تتدخل الدولة في ذلك, بل إن الدولة كانت تتدخل في حل المشاكل الخلافية بين مذاهبهم وتنصف بعضهم من بعض, فقد كان الملكانيون يضطهدون أقباط مصر في عهد الروم ويسلبون كنائسهم, حتى إذا فتحت مصر رد المسلمون إلى الأقباط كنائسهم وأنصفوهم, وتطاول الأقباط بعد ذلك الملكانيين انتقاما مما فعلوه بهم قبل الفتح العربي, فشكوا ذلك إلى هارون الرشيد فأمر باسترداد الكنائس التي استولى عليها القبط بمصر وردها إلى الملكانيين بعد أن راجعه في ذلك بطريرك الملكانيين.
وقد بلغ حلم عرب إسبانية إزاء النصارى مبلغا كانوا يسمحون به لأساقفتهم أن يعقدوا مؤتمراتهم الدينية, كمؤتمر أشبيلية النصراني الذي عقد في سنة 782 م ومؤتمر قرطبة النصراني الذي عقد في سنة 852 م. وتعد بيع النصارى الكثيرة التي بنوها أيام الحكم العربي من الأدلة على احترام العرب لمعتقدات الأمم التي خضعت لسلطانهم.
الخليفة يعتمد اختيار رؤساء النصارى واليهود: