وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ الْأَعْمَش قَالَ"مَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْ أَصْحَابنَا يَكْرَهُ الْكُحْلَ لِلصَّائِمِ , وَكَانَ إِبْرَاهِيم يُرَخِّصُ أَنْ يَكْتَحِل الصَّائِم بِالصَّبْرِ".أ. هـ
وما يقال بخصوص الكُحل يقال بخصوص قطرة العين، فالتّقطير في العين، ودهن الأجفان، أو وضع دواء مع الدّهن في العين لا يفسد الصّوم، لأنّه لا ينافيه وإن وجد طعمه في حلقه، فإنه لا دليل من الشرع على أن ذلك يفطِّر الصائم، بل الدليل قائم على جوازها، لأن واقعها كواقع الماء في الأغسال والوضوء، فما يدخل العين من ماء أو دواء لا يفطِّر الصائم مطلقًا، وما قاله بعض الفقهاء من أن قطرة العين تصل إلى الحلق هو قول متهافت لا يُؤْبَهُ به ولا يُلتفَت إليه، ومثل قطرة العين قطرة الأذن فإنها لا تفطِّر، لأن واقعها كواقع الماء الداخل إليها في الأغسال والوضوء، وهو لا يفطِّر مطلقًا.
5 -الاستعاط واستعمال البخور والتدخين:
الاستعاط: افتعال من السّعوط: دواء يصبّ في الأنف، والاستعاط
وهو أن تُوضَعَ مادةٌ في الأنف وتُستنشَق، ويسمى الدواء الذي يُستنشق السَّعوط بفتح السين.
وهو عند الفقهاء: إيصال الشّيء إلى الدّماغ أو الرئتين من الأنف.
وإنّما يفسد الاستعاط الصّوم، بشرط أن يصل الدّواء إلى الدّماغ، والأنف منفذ إلى الجوف، فلو لم يصل إلى الدّماغ لم يضرّ، بأن لم يجاوز الخيشوم، فلو وضع دواءً في أنفه ليلًا، وهبط نهارًا، فلا شيء عليه.
ولو وضعه في النّهار، ووصل إلى جوفه أفطر، لأنّه واصل إلى جوف الصّائم باختياره فيفطّره كالواصل إلى الحلق.
وهذا كقطرة الأنف فيُنظَر، فإن هي وصلت إلى الحلق وشربها الصائم فقد أفطر، إما إن وصلت الفم فبصقها الصائم فلا تفطِّر، فالأنف يختلف عن العين والأذن بكونه نافذًا إلى الفم كما هو معلوم ومعروف، ومثله بخاخ الربو ان وجد طعمه وبلعه يفطر والا فلا، والله تعالى اعلى واعلم.
واستعمال البخور: يكون بإيصال الدّخان إلى الحلق، فيفطر، أمّا شمّ رائحة البخور ونحوه بلا وصول دخانه إلى الحلق فلا يفطر ولو جاءته الرّائحة واستنشقها، لأنّ الرّائحة لا جسم لها.
وهذا بخلاف دخان الحطب، فإنّه لا قضاء في وصوله للحلق، ولو تعمّد استنشاقه.
فمن أدخل بصُنعه دخانًا حلقه، بأيّة صورة كان الإدخال، فسد صومه، سواء أكان دخان عنبر أم عود أم غيرهما، ودخان التبغ (السجائر) ، حتّى من تبخّر بعود، فآواه إلى نفسه، واشتمّ دخانه، ذاكرًا لصومه، أفطر، لإمكان التّحرّز من إدخال المفطر جوفه ودماغه.
قال بعض أهل العلم: هذا ممّا يغفل عنه كثير من النّاس، فلينبّه له، ولا يتوهّم أنّه كشمّ الورد والمسك، لوضوح الفرق بين هواء تطيّب بريح المسك وشبهه، وبين جوهر دخان وصل إلى جوفه بفعله.
وفى الجامع لأحكام الصيام: [الطبعة الثانية - (ج 1 / ص 246وما بعدها) ]
إنه لمن المتفق عليه عند المسلمين قديمًا وحديثًا أن دخول جسم في الحلق ومن ثم بلعه، أي نزوله إلى البلعوم يفطِّر الصائم، دون اشتراط أن يصل إلى المعدة أو إلى الرئة فنزول أي جسم إلى البلعوم يفطِّر الصائم، وهذا هو مقتضى اللغة، فاللغة تُطلِق على من بلع جسمًا صلبًا أنه أكله، أو سائلًا أنه شربه، فنزول الشيء إلى البلعوم يعتبر أكلًا له أو شربًا له، وحيث أن الأكل والشرب يفطِّران، فإن بلع أي شيء يفطِّر الصائم. وإنه لمن المتفق عليه عند المسلمين قديمًا وحديثًا، إلا من شذَّ، أن نزول أي جسم إلى البلعوم يفطِّر الصائم، سواء كان مغذيًا، أو غير مغذٍّ كحصاةٍ أو حفنة تراب.
بقي أن نعرف مواصفات هذا الجسم، فأقول إن الجسم إن دخل كلُّه دفعةً واحدة فإنه لا خلاف في أنه يفطِّر، كاللقمة أو كحبة الحمص أو كجرعة ماء أو دواء وهو مُجْمَعٌ عليه عند المسلمين قديمًا وحديثًا، فإذا جاء أحدهم ليحتال على الصيام، فسحق حبةَ الحمص أو حبة الدواء، ثم أدخل المسحوق بالتدريج في جوفه إما ببلعه مع الريق، أو باستنشاقه مع الهواء فإنه يكون قد أفطر، ولا تنفعه حيلته هذه، لأن النتيجة واحدة في الحالتين، وهي إن جسمًا قد نزل إلى البلعوم ومن ثمَّ إلى الرئتين في الصدر، أو إلى المعدة في البطن، ولا يختلف الحال إن كان قد دخل جسمًا على حاله، أو دخل مسحوقًا فبلعه مع الريق فوصل إلى المعدة، أو استنشقه مع الهواء، فوصل إلى الرئتين، وإذن فإن دخول أي جسم عن طريق البلعوم يفطِّر على أيةِ حالةٍ دخل، لأنه في واقعه فعلٌ واحد
وبالتالى فما يدخل الصدر أو البطن من طريق الحلق والبلعوم يفطِّر، لا فرق بين أن يدخل على شكل جسم محسوس أو على شكل مسحوقٍ مُذاب في الريق، أو على شكل مادة تطير في الهواء ثم تنعقد في الداخل مادةً محسوسة، أما الحالتان الأُوْليان فإنه لا خفاء فيهما، ولا يحتاجان منا إلى ضرب أمثلة عليهما.
وأما الحالة الثالثة فهي ما تحتاج إلى ضرب أمثلة عليها فمنها: