الصفحة 38 من 73

وقال عبد الله بن شُبْرُمة أحدُ فقهاء الكوفة إِنَّ القُبلةَ تُفطِّر، فيما ذهب ابن حزم بَلْ بَالَغَ إلى استحباب القُبلة للصائم، وأباح القُبلةَ والمباشرةَ مطلقًا!!

قال المباركفوري في تحفة الاحوذى:

أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ عِنْدِي مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّ الصَّائِمَ إِذَا مَلَكَ نَفْسَهُ جَازَ لَهُ التَّقْبِيلُ وَإِذَا لَمْ يَأْمَنْ تَرَكَهُ , وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَلِفَةِ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْمُوَطَّأِ: لَا بَأْسَ بِالْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ إِذَا مَلَكَ نَفْسَهُ بِالْجِمَاعِ , فَإِنْ خَافَ أَنْ لَا يَمْلِكَ نَفْسَهُ فَالْكَفُّ أَفْضَلُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْعَامَّةُ قَبْلَنَا اِنْتَهَى. أ. هـ

قال أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَاَلَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ جَوَازُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ مُفْسِدٍ فَلَا يَلُمْ الشَّرِيعَةَ وَلَكِنْ لِيَلُمْ نَفْسَهُ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ الْمُسْتَرْسِلَةَ عَلَى الْمَخَاوِفِ. أ. هـ

قلت: المتقرر هو ان الصيام عن الطعام والشراب والشهوة، وبالتالى فيلزم الصائم الاَّ يفعل ما يجر الشهوة التى هو مطالب بتركها كما في الحديث"يَدَع شَهْوَته .... إِلَخْ"، وبالتالى فالقبلة والمباشرة جائزة مالم تستدعى الشهوة، كما سبق بيانه بالنصوص وكلام العلماء، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ إنَّمَا الصَّوْمُ مِنْ الشَّهْوَةِ وَالْقُبْلَةُ مِنْ الشَّهْوَةِ، هذا والله تعالى اعلى واعلم.

ولخص ابن قدامة المسألة فقال:

ولا يخلو المقبل من ثلاثة أحوال:

أحدها: أن لا ينزل فلا يفسد صومه بذلك لا نعلم فيه خلافا لما روي عن عائشة:"أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقبل وهو صائم وكان أملككم لِإِرْبِهِ"رواه البخاري و مسلم - ويروي (لِإِرْبِهِ) بتحريك الراء وسكونها قال الخطابي: معناها واحد وهو حاجة النفس ووطرها وقيل بالتسكين العضو وبالفتح الحاجة وروي [عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال هششت فقبلت وأنا صائم فقلت يا رسول الله: صنعت اليوم أمرا عظيما قبلت وأنا صائم فقال: أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم قلت: لا بأس به قال فمه] رواه أبو داود شبه كان بالمضمضة من حيث أنها من مقدمات الشهوة وإن المضمضة إذا لم يكن معها نزول الماء لم يفطر وإن كان معها نزوله أفطر.

الحال الثاني: أن يمني فيفطر بغير خلاف نعلمه لما ذكرناه من إيماء الخبرين ولأنه إنزال بمباشرة فأشبه الإنزال بالجماع دون الفرج. (وان لم يأخذ حكمه)

الحال الثالث: أن يمذي، قال أبو حنيفة والشافعي لا يفطر، وروي ذلك عن الحسن والشعبي والأوزاعي لأنه خارج لا يوجب الغسل أشبه البول.

إذا ثبت هذا فإن المقبل إذ كان ذا شهوة مفرطة بحيث يغلب على ظنه أنه إذا قبل (جامع) أوأنزل لم تحل له القبلة لأنها مفسدة لصومه فحرمت كالأكل وإن كان ذا شهوة لكنه لا يغلب على ظنه ذلك كره له التقبيل لأنه يعرض صومه للفطر ولا يأمن عليه الفساد. أ. هـ ... [المغنى - جـ6 صـ81]

4 -الإكتحال:

اختلف الفقهاء في حكم الاكتحال هل هو جائز للصائم لا يُفطِّر أم هو مكروه أم هو حرام مُبْطِلٌ للصوم؟ فذهب إلى أن الاكتحال يُبطل الصيام ابن شُبرُمة وابن أبي ليلى، وذهب أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور والأوزاعي وداود بن علي وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي وابن شهاب الزهري إلى حكم الجواز وأنه لا يفطِّر بحالٍ، وروى ذلك عن عبد الله بن عمر وأنس ابن مالك وابن أبي أوفى من الصحابة رضوان الله عليهم.

والحق أن هذه المسألة هي من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى وقفة طويلة لبيانِ أن الاكتحال جائز للصائم وللصائمة وأنه لا يفطِّر بحالٍ من الأحوال إذ لم يُرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من صحابته حديثٌ واحدٌ صحيحٌ أو حسنٌ ينهى الصائم عن الاكتحال، لا نهيًا جازمًا ولا نهيًا غير جازم، بل ورد حديث - وان اختلفوا في صحته - يبين انه جائز وهو ما رواه ابن ماجه عن عائشة قالت:"اكتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم". ... [قال الألباني: صحيح، الروض النضير (759) ]

واخرج البخاري - تعليقا -"وَلَمْ يَرَ أَنَسٌ وَالْحَسَن وَإِبْرَاهِيم بِالْكُحْلِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا".

قال ابن حجر في الفتح:

َرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَن عَنْ أَنَس أَنَّهُ كَانَ يَكْتَحِل وَهُوَ صَائِم , وَعن الْحَسَن قَالَ"لَا بَأْس بِالْكُحْلِ لِلصَّائِمِ".

وعَنْ الْقَعْقَاعِ بْن يَزِيدَ"سَأَلْت إِبْرَاهِيمَ أَيَكْتَحِلُ الصَّائِمُ؟ قَالَ نَعَمْ. قُلْت أَجِدُ طَعْمَ الصَّبْرِ فِي حَلْقِي. قَالَ لَيْسَ بِشَيْءٍ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت