وَذُكِرَ فِي حِكْمَةِ هَذِهِ الْخِصَال مِنْ الْمُنَاسَبَة أَنَّ مَنْ اِنْتَهَكَ حُرْمَةَ الصَّوْم بِالْجِمَاعِ فَقَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ بِالْمَعْصِيَةِ فَنَاسَبَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً فَيَفْدِي نَفْسَهُ , وَقَدْ صَحَّ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَة أَعْتَقَ اللَّه بِكُلِّ عُضْو مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّار. وَأَمَّا الصِّيَام فَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّهُ كَالْمُقَاصَّةِ بِجِنْسِ الْجِنَايَة , وَأَمَّا كَوْنُهُ شَهْرَيْنِ فَلِأَنَّهُ لَمَّا أُمِرَ بِمُصَابَرَةِ النَّفْس فِي حِفْظِ كُلّ يَوْم مِنْ شَهْر رَمَضَان عَلَى الْوَلَاء فَلَمَّا أَفْسَدَ مِنْهُ يَوْمًا كَانَ كَمَنْ أَفْسَدَ الشَّهْر كُلّه مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ بِالنَّوْعِ فَكُلِّفَ بِشَهْرَيْنِ مُضَاعَفَة عَلَى سَبِيل الْمُقَابَلَة لِنَقِيضِ قَصْده. وَأَمَّا الْإِطْعَام فَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّهُ مُقَابَلَة كُلّ يَوْم بِإِطْعَامِ مِسْكَيْنِ. ثُمَّ أَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ جَامِعَة لِاشْتِمَالِهَا عَلَى حَقّ اللَّه وَهُوَ الصَّوْم , وَحَقّ الْأَحْرَار بِالْإِطْعَامِ , وَحَقّ الْأَرِقَّاء بِالْإِعْتَاقِ , وَحَقّ الْجَانِي بِثَوَابِ الِامْتِثَال. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِيجَاب الْكَفَّارَة بِالْجِمَاعِ.
وَالْمُرَاد بِالْإِطْعَامِ الْإِعْطَاء لَا اِشْتِرَاط حَقِيقَة الْإِطْعَام مِنْ وَضْعِ الْمَطْعُوم فِي الْفَم بَلْ يَكْفِي الْوَضْع بَيْن يَدَيْهِ بِلَا خِلَاف , وَفِي إِطْلَاق الْإِطْعَام مَا يَدُلّ عَلَى الِاكْتِفَاء بِوُجُودِ الْإِطْعَام مِنْ غَيْر اِشْتِرَاط مُنَاوَلَة , بِخِلَافِ زَكَاة الْفَرْض فَإِنَّ فِيهَا النَّصَّ عَلَى الْإِيتَاء وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ فَإِنَّ فِيهَا النَّصَّ عَلَى الْأَدَاء , وَفِي ذِكْرِ الْإِطْعَام مَا يَدُلّ عَلَى وُجُودِ طَاعِمِينِ فَيُخْرِجُ الطِّفْل الَّذِي لَمْ يَطْعَمْ كَقَوْلِ الْحَنَفِيَّة , وَنَظَرَ الشَّافِعِيّ إِلَى النَّوْع فَقَالَ: يُسَلَّمُ لِوَلِيِّهِ , وَذَكَرَ السِّتِّينَ لِيُفْهَمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَا زَادَ عَلَيْهَا , وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْمَفْهُومِ تَمَسَّكَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ.
قال ابن حزم: [المحلى - (ج 6 / ص 201وما بعدها) ]
ومن كان فرضه الاطعام فانه لابد له من أن يطعمهم شبعهم، من أي شئ أطعمهم، وان اختلف، مثل أن يطعم بعضهم خبزا، وبعضهم تمرا، وبعضهم ثريدا، وبعضهم زبيبا، ونحو ذلك، ويجزئ في ذلك مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم، إن أعطاهم حبا أو دقيقا أو تمرا أو زبيبا أو غير ذلك مما يؤكل ويكال، فان أطعمهم طعاما معمولا فيجزئه ما أشبعهم أكلة واحدة، أقل أو أكثر ولا يجوز تحديد إطعام دون إطعام بغير نص ولا إجماع ولا يجزئ إطعام رضيع لا يأكل الطعام، ولا إعطاؤه من ذلك، لانه لا يسمى إطعاما، فان كان يأكل كما تأكل الصبيان أجزأ إطعامه وإشباعه، وإن أكل قليلا، لانه أطعم كما أمر ولا يجزئ اطعام أقل من ستين، ولا صيام أقل من شهرين، لانه خلاف ما أمر به وبالله تعالى التوفيق. أ. هـ
قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد: أَضَافَ الْإِطْعَام الَّذِي هُوَ مَصْدَر أَطْعِمْ إِلَى سِتِّينَ فَلَا يَكُون ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي حَقّ مَنْ أَطْعَمَ سِتَّة مَسَاكِينَ عَشْرَة أَيَّام مَثَلًا.
قَوْله: (خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ) وَزَادَ اِبْن إِسْحَاق"فَتَصَدَّقْ بِهِ عَنْ نَفْسِك"
وَاسْتُدِلَّ بِإِفْرَادِهِ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَة عَلَيْهِ وَحْده دُون الْمَوْطُوءَة , وَكَذَا قَوْله فِي الْمُرَاجَعَة"هَلْ تَسْتَطِيع"وَ"هَلْ تَجِد"وَغَيْر ذَلِكَ , وَهُوَ الْأَصَحّ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيَّة وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيِّ , وَقَالَ الْجُمْهُورُ وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذِر تَجِبُ الْكَفَّارَة عَلَى الْمَرْأَة أَيْضًا عَلَى اِخْتِلَافٍ وَتَفَاصِيلَ لَهُمْ فِي الْحُرَّة وَالْأَمَة وَالْمُطَاوِعَةِ وَالْمُكْرَهَةِ وَهَلْ هِيَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى الرَّجُل عَنْهَا , وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيَّة بِسُكُوتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَنْ إِعْلَام الْمَرْأَة بِوُجُوبِ الْكَفَّارَة مَعَ الْحَاجَة (قلت: هوالاصح والموافق للدليل والله تعالى اعلم)
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ اِخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَة هَلْ هِيَ عَلَى الرَّجُل وَحْدَهُ عَلَى نَفْسه فَقَطْ أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ عَنْهُ وَعَنْهَا أَوْ عَلَيْهِ عَنْ نَفْسه وَعَلَيْهَا عَنْهَا , وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلُّ عَلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ سَاكِت عَنْ الْمَرْأَة