الصفحة 32 من 73

ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ جماع الصّائم في نهار رمضان عامدًا مختارًا بأن يلتقي الختانان وتغيب الحشفة في أحد السّبيلين مفطر يوجب القضاء والكفّارة، أنزل أو لم ينزل، وفي قول ثان للشّافعيّة لا يجب القضاء، لأنّ الخلل انجبر بالكفّارة.

وعند الحنابلة: إذا جامع في نهار رمضان - بلا عذر - آدميًّا أو غيره حيًّا أو ميّتًا أنزل أم لا فعليه القضاء والكفّارة، عامدًا كان أو ساهيًا، أو جاهلًا أو مخطئًا، مختارًا أو مكرهًا، وهذا لحديث أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ مَا لَكَ قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا فَقَالَ فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لَا قَالَ فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ فَقَالَ أَنَا قَالَ خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ"... [البخاري - كتاب الصوم - باب اذا جامع في رمضان ولم يكن له شئ يتصدق به]

الشرح نقلا من كلام ابن حجر في فتح الباري (بتصرف يسير) :

قَوْله: (هَلَكْت) :اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَامِدًا لِأَنَّ الْهَلَاك وَالِاحْتِرَاقَ مَجَازٌ عَنْ الْعِصْيَانِ الْمُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ , فَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْمُتَوَقَّعَ كَالْوَاقِعِ , وَبَالَغَ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي , وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى وُجُوب الْكَفَّارَة عَلَى النَّاسِي وَهُوَ مَشْهُور قَوْل مَالِك وَالْجُمْهُور , وَعَنْ أَحْمَد وَبَعْض الْمَالِكِيَّة يَجِب عَلَى النَّاسِي , وَتَمَسَّكُوا بِتَرْكِ اِسْتِفْسَاره هَلْ كَانَ عَنْ عَمْد أَوْ نِسْيَان وَالْجَوَاب أَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ حَالُهُ بِقَوْلِهِ هَلَكْت وَاحْتَرَقْت فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَامِدًا عَارِفًا بِالتَّحْرِيمِ , وَأَيْضًا فَدُخُول النِّسْيَان فِي الْجِمَاع فِي نَهَار رَمَضَان فِي غَايَة الْبُعْدِ.

وفى روايه"أَصَبْت اِمْرَأَتِي ظُهْرًا فِي رَمَضَان"وَتَعْيِينُ رَمَضَان مَعْمُولٌ بِمَفْهُومِهِ , وَلِلْفَرْقِ فِي وُجُوب كَفَّارَة الْمُجَامِعِ فِي الصَّوْم بَيْن رَمَضَان وَغَيْره مِنْ الْوَاجِبَات كَالنَّذْرِ (قلت: وهذا يعنى ان هذا الحكم متعلق بمن فعل ذلك في نهار رمضان حال صيامه لا في غيره) .

وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا أَنَّ الْكَفَّارَة بِالْخِصَالِ الثَّلَاث عَلَى التَّرْتِيب الْمَذْكُور. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ: لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقَلَهُ مِنْ أَمْرٍ بَعْدَ عَدَمِهِ لِأَمْرٍ آخَرَ وَلَيْسَ هَذَا شَأْنَ التَّخْيِير.

قَوْلُهُ: (فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ بِالْإِعْسَارِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهَا لَا تُصْرَفُ فِي النَّفْسِ وَالْعِيَالِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِقْرَارَهَا فِي ذِمَّتِهِ إلَى حِينِ يَسَارِهِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ.

وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا تَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ، قَالُوا: وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِهَا عَنْ الْمُعْسِرِ، بَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِقْرَارِهَا عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَمَّا كَانَ عَاجِزًا عَنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ الْكَفَّارَةَ فِيهِمْ.

قال ابن حزم: [المحلى - (ج 6 / ص 197) ] :

وصفة الكفارة الواجبة هي كما ذكرنا في رواية جمهور أصحاب الزهري: من عتق رقبة لا يجزئه غيرها مادام يقدر عليها، فان لم يقدر عليها لزمه صوم شهرين متتابعين، فان لم يقدر عليها لزمه حينئذ اطعام ستين مسكينا وبقولنا يقول أبو حنيفة، والشافعي، وأبو سليمان، وأحمد وجمهور الناس. أ. هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت