وقد شذّت مواضع نُزع فيها الخافض (أي حُذِف الجارّ) مع ظروف مختصة، نحو: دَخَلَ الدارَ أو المسجدَ أو السوقَ. ونَزَلَ البلدَ، وسكنَ الشامَ... فقالوا إن النصب هنا على إسقاط الجارّ اتساعًا [لأن هذه المواضع هي ظروف مكان مختصة، والأصل فيها الجرّ] وإنها سماع فلا يقاس عليها! من ذلك قول جرير:
تَمرُّون الديارَ ولم تَعُوجُوا كلامكم عليَّ إذن حرامُ
فنصب (الديار) وليس ظرفًا مبهمًا، فهو منصوب إذن على نزع الخافض اتساعًا، لأنه على نية الجر. وأصله: تمرّون بالديار أو على الديار.
وقولُ ساعِدة:
لَدْنٌ يهزُّ الكفَّ يعسِل متنُه فيه، كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ
فنصب (الطريق) ، وهو ظرف مختص (غير مبهم) . [عَسَلَ الثعلبُ: سار في سرعة واضطراب] .
وهناك أسماءٌ مُعْرَبة، عُدِل بها إلى الظرفية فنُصبت. من ذلك:
· الخَلَلُ: وهو الفرجة بين الشيئين. هذا هو الأصل. وقد عُدِل بهذا الاسم المفرد إلى الظرفية. فقال نصر بن سيّار: (أرى خَلَلَ الرماد وميضَ نار) . وقد جُمع الخلل على (خِلال) . ونُصب في الآية: ?فجاسوا خلالَ الديار?.
· طَيّ وثِنْي: فقد جاءا ظرفين أيضًا: أنفذْتُ دَرْجَ كتابي، وطَيَّ كتابي، وثِنْيَ كتابي.
ولكن يقال أيضًا (على الأصل) ، أنفذته في درجِ كتابي، وفي طيِّه، وفي ثِنْيِه.
· واستُعملت (أثناء) جمع (ثِني) استعمال الاسم. ولكنها جاءت ظرفًا في قول الشاعر الجاهلي عمر بن ماجد:
ينام عن التقوى ويوقظه الخَنا فيخبِط أثناءَ الظلام فُسُول
وجاءت أيضًا في كلام بعض الأئمة:
قال الرضيّ في (شرح الكافية) : فموضعها أثناءَ الكلام...
وقال ابن خلدون في (مقدمته) : ومسائل من اللغة والنحو مبثوثة أثناءَ ذلك.
وقال ابن الدباغ في (نَفْح الطيب) : وللنسيم أثناءَ ذلك المنظر الوسيم تراسُلُ مشي.
· الضِّمْنُ: باطنُ الشيءِ وداخله. وجاء في (لسان العرب/ضمن) : وأنفذْتُه ضمنَ كتابي أي: في طَيِّه.