فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 43

تأمل السيدة أن ألقّن حفيدتها أبجدية العزف على البيانو… تنفرج أساريري أكثر فهذا توقعي. ألتمس إرجاء طلبها لحين أسمعها نموذجًا من عزفي، ترحب بتواضعي وبدعوتي، تُرنّح ظهرها على المسند الهزاز، وتبدو منتشية بسماع مقطوعة من (بحيرة البجع) ، أرفع أصابعي عن المفاتيح، فتصفّق برصانة وصلف وينبح (التوتو) الذي صمت لفترة.. تمتدحني كثيرًا، تغدو ابتسامتها أقل كلفة، أستعيذُ بالله من مدائح جمّة تُسلمني للغرور… تضحك السيدة، تضحك كثيرًا فأتجرأُ وأعرب عن رغبة بكشف خلفّيات حياتها… تشطح برأسها وذاكرتها للخلف. كمريض في حضرة طبيب نفساني تنبش ذاكرة خيباتها، أراني أتفهّمها.. أتوحّد معها في مُصابها، تحتضن أصابعي برفق معصمها وتفركهُ بنعومة. يصعقُها تأثري وتحناني، تقطع روايتها وتفتح أجفانها.. تعتذر عن"هذيانها"وتهمّ بالانصراف. أجتهد لإطالة مكوثها الذي"يُثلج"صدري و"يجلو"همّي. أُعدّ القهوة وأقدّمها مع تشكيلة من البسكويت بالكريما والشوكولا. لا يفوتني أن أربّت على ظهر جروها الغالي وألقي له بقطعة…، أجلس رافعةً فخذًا على فخذ وأشعل سيجارتها بشحطة ماهرة خاطفة لعود الثقاب.

تزفر سحابة مكربنة وتقول:

ـ انقضى الوقت الذي كنّا به ندخّن دون محاذير… (ليتَ الشباب يعود)

تنزلق بنظراتها عليّ:

ـ قوامك جذاب… يذكّرني بماضيَّ.

"أندهش"… ترتسم أمارات اندهاشي على حاجبيَّ وابتسامتي الذاهلة وانفراج شفاهي، أُعجل فألوم جليستي على"ظلم"نفسها.."من يراك سيدتي يعطيك من العمر خمسةً وثلاثين…، قوامك؟ لا يشي بأكثر من أمومة شابةٌ لطفل أو اثنين.."، أُدلي بأحكامي متعاميةً عن انشطاط نهديها ونفور بطنها وضياع معالم خصرها، وأستحسن صبغة شعرها، درجتُها، ماركتُها فكم تليق بنقاء بشرتها مع علمي باحتجابها خلف (تجليدة) من كريمات الشدّ والتبييض.

تودّعني السيدة بغير ما لقيتني، إنها تمور بالبشاشة والرضا.

يا الله….، كم أبدو لها ظريفة، لَبِقة. نضرب مواعيدعمل بخصوص حفيدتها… تنصرف بيقين تام من (محبّتي) لها.

لا أكاد أُغلق الباب حتى يُرن جرس الهاتف.

أمتعض لالتقاط صوت مألوف.. على الطرف الآخر مدير الجمعيّة الخيريّة لمناشط المعوقين.

ـ تحيّاتي أستاذ، احتراماتي، أهلًا بكم أهلًا….

يُعلمني المدير آسفًا بتقديم موعد المهرجان الفني للأطفال المقعدين، يقتضي ذلك إلحاق حصة مسائية ببرنامج التدريب اليومي. أُبدي تجاوبًا فوريًا مشفوعًا بدماثة خلق وسرعة جاهزية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت