ـ أمركم أستاذ… نحن في الخدمة.
يُزايل القلق محدّثي فيهمّ بشكري.. أقطع عليه الدرب:
ـ ما تقولونَ أستاذ؟.. عفوًا عفوًا، هذا، واجبنا، ينقصُنا فحسب أن نتشرّف بحسن الظن.
يالها من تمثيليّة.
أُنهي المكالمة مستاءةً لإدراج موعد إضافي في لائحتي.. لا يشك الرجل قط بازدواجيتي ونفاقي، وأجزم أنه يغبط نفسه لإبرامهِ عقدًا معي… عجينة طيّعة أنا، كنز عطاء، أُستاذة (لُقطة) ….
بالكاد أُعدّ الشاي، وأكسح بذيل الملعقة شريحة من الزبدة حتى يدق الباب… موعدٌ غير مرتقب….
تُنبؤني العين السحرية بهويّة غير مؤكدة لزائرتي، أهرش صدغي فأتذكّر.. مابال هذه القادمة تتفقدّني بعد سنين؟..
أُسلم أمري إلى الشيطان فما من غيره وراء مصائبي.أسحب نفسًا عميقًا، وإذ أُدير أكرة الباب أصمم لسحنتي تعابير مستطلعة بريئة…، أصفنُ برهةً في القامة الشاخصة، بعدئذٍ أصيح بابتهاج:
ـ أنتِ ؟ مستحيل!!.. ماتزالين عائشة؟!…
نتعانق، أشدّ زميلة الدراسة إليَّ، أهصرها بين ذراعي، يريحها جيشان عواطفي، يلغي المقدمات التي تُربكها بخصوص تبرير الزيارة…
نجلس كسميرين… ، نتداول أخبار الرفاق. لا ينكشف سر الزيارة. مسحًا للوقت أتسلح بدبلوماسيّتي.. حواريّة بسيطة ويُماط اللثام.
ـ عزيزتي… الضيّعة انسيها، تَبيتين الليلة عندي.
ـ لا.. لا.. غير ممكن.
ـ نتغدّى، نسوح ونتسوّق ونسهر كأيّام زمان…
ـ إن شاء الله مرة ثانية.. فَ..
أصعّد وتيرة احتجاجي:
ـ لاثانية ولا ثالثة، سنوات يا منظومة لم أركِ.. تُخطرين أهلك بالتلفون وتعدين البيت بيتك.
تفتش عن مخرج (للورطة) :
ـ وحياتك مرة ثانية، ماكنّا اليوم تلاقينا لو لم أجر تحاليل لدى الطبيب.
ما أسرع ماكدر القلق محيّاي:
ـ تحاليل؟ .. خير؟…
أفهم أنها خاضت فحوصات لكشف عارض مرضي…التقرير الطّبي لا يجهز قبل ساعة فضّلت (رفيقة الدرب) ، قضاءها عندي، أكاد (آخذ على خاطري منها) ، لولا تعهّدها الأكيد أن نتزاور لاحقًا.. الوقت يفرّ سريعًا.. لحيويّتي وجاذبيّة إصغائي فضلٌ في هذا…
تودّعني الزائرة آسفةً، تحسٌّ قطعةً من قلبها مودعةً عندي. أُناشدها مداراة صحّتها… بسمتي الدافئة، نظرتي الحالمة، يدي الشّادة على يدها تهمس لها:
ـ لا تُطيلي الغياب.
الباب يُغلق.
أفّ.. أفّ… أصفع جبيني، الوقت يدركُني. قبل أن يصبح (السيف قاطعًا) أتحضّر لموعدي في الكنيسة المارونيّة. ثمّة تدريبات لجنّاز (الجمعة الحزينة) .