فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 43

بمصرع القطار احتدّت الحرب، وبدأت تحصد بآلتها العمياء الأقارب والأعزّاء، فقُتلَ والد /جانو/ واستشهد أخو /شحّود/ وعمّ /هديل/، وانفجرت صناديق الـ (ت.ن.ت) ، المخزونة تحت بيت الخوري (الياس) أثناء وجوده فيه، فشبّت حرائق هائلة أبادت الحي بمساكنهِ وناسه، فمن بقي مات، ومن فرَّ عاش عمرًا جديدًا.

نحن كنا من الفارّين، (وحدس) أمّي أنقذنا من موت محقق. فقبل الحريق بوقت، حزم أبي أمتعةً خفيفة، وأكياس مؤونة تسلّل بها مع أُجراءَ إلى معبر جبلي وراء المدرسة، وخلال الهُدنة، غافلنا مخبري الحيّ، وتبعنا أبي، فركبنا (البوسطة) ، التي تنتظرنا هناك، ومضينا في رحلة ليليّة شاقة طويلة عائدين.. إلى بلدنا الأول.

وكانت (ديمانش) منارة بأضواء خفيفة، وفي باحتها استلقى حراس وتوزع جنود… وحين تحركت البوسطة بعيدًا عن بلد الخرائب، كان القطار الصريع وأشلاء السّكة… آخر ما ودّعت عيناي.

أنا الآن في التاسعة والعشرين.

أحيا حياةً مستقرّة في بلدي الأول، أنعم براتب كبير ومنصب رفيع.. متزوّج، ولي أولادٌ أذكياء، وامرأةٌ رائعةً….، كذلك إخوتي.

أبي وأمي يحظيان بشيخوخة هادئة.

ربما أنساني الزمن وزحمة العمل فظائع جرت من عشرين عامًا. فجزءٌ من ذاكرتي مات. وجزء ضاع، ولا أعلم إن كان سيعود مع أني لا أُرحب بذلك.

شيئان لم تخطئِهما ذاكرتي…. فلا هُما ماتا، ولا هُما ضاعا.

حيَّان في أعصابي، يُدغدِغانها فتتنبّه فجرًا، ثمَّ تتراخى وتلين، على رجع نوح حزين، يقطع مشوارَ السنين صارخًا:

ـ آوووو……

ويجلجلُ الكون هديرُ عجلات تُخبخبِ فوق ذلك الخط الحديدي:

شك شك شك شك

شك شك شك شك

بروفات للحبّ

لا أكاد أختلف عن رأسمالي كبير أو نجم هوليودي أو صانع سياسة متمرّس قياسًا لامتلاء حياتي بالناس. تحضرُني مواعيد أنتظرها ولا أنتظرها.. يدقّ الباب، ويهمي عليَّ الزائرون كالمطر، يتوازعون نهاري بثرثرات وهموم…، يبدو أنني مصبّ لكل شجون العالم وإلاَّ فما سرَّ ارتماء الناس بأحضاني؟

تحضيراتٌ أوليّة للقاءات اليوم تجلو حقيقة الأمر..

تزورني اليوم سيدة أرستقراطيّة، يقترب اللقاء الذي يحرص هؤلاء أن يكون دقيقًا، موجزًا، عملّيًا…، القطن والمخمل لا يلتقيان، لذا أستبدل كسوتي البسيطة ونعلي الطبّي ببدلة متأنّقة وحذاء عالٍ…

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت