في الهدنات الأولى التي عشناها انحصرَ همّنا في الأكل والشرب وتأمين وسائل الإسعاف الأوّلي. وخفَّ الحذر مع الأيام، فرحنا نقضي تلك الفترات في تفقد الحي والجيران مع الاحتراز من إثارة غضب المسلحين الذين يجوبون الشوارع مكشّرين، أو يسترخون للراحة على الأرصفة، وفي مداخل البنايات. ولا ننسى دائمًا أن نرشق المدرسة وسكة القطار بنظرات حنين، ونعانقهما عن بعد، فكم طال اشتياقُنا لهما. وكان يثُيرنا منظر عبوات الرصاص الفارغة فنتسابق لجمعها لنلعب بها في الملجأ لعبة الجنود الذين يصطفون أرتالًا لمقارعة الأعداء وقتلهم. ومن حالفهُ حظ عثر على بندقية بين اللعب فمثّل مع الرفاق مسرحية البطل في الحرب وسط دهشة الأهل الذين تُبدّد شقاواتنا قلقهم ومثلها دعاء الخوري (الياس) كي يحل السلام ويرحم الرب العباد. ومثلها ابتهالات جار لنا إيراني نصغي لتواشيحه وتنغيماته فتهدأ سرائرنا دون أن نفقه مما يقول: سوى (اللاّه) .
أنستنا الحرب عادات أساسية وطقوسًا عزيزة، لكنْ ولعنا بالقطار واللعب عند السكّة بقي خالدًا، وكثيرًا ما رددنا من ملاجئنا أغنية الترحيب بالقطار. ولطالما حاولنا التقاط أنينه المبحوح الذي تعذّرَ سماعهُ خلال القصف وسَهُل أثناء الهدنة… ثمّ قل مرور القطار في الحارة، وانحصرَ على عبور ليلي غير منتظم، ثم انقطعَ بالمرة إلى أن عاد فاقتربَ من الحي للمرة الأخيرة حين حدث انفجار بين سلسلة انفجارات، كان القطار الحبيب أحد ضحاياها.
وأذكر أننا انتظرنا ـ ذاهلين مروّعين ـ أول وقف لإطلاق النار قبل أن يتوجّه العشرات إلى الخط الحديدي… بدا القطار مهشمًا، وألسنة النار تندلع من مقصورات تطايرت أغلب سقوفها. أمّا السكة فدعائمها مشوّهة، وقضبانها متباعدة، وقد انحرف مسارُها بشكل رهيب… هنا، فارت العيون بالدمع، وتقافز منها الحزن كحمامات جريحة. وشرعت أشهق بالبكاء جاثيًا مع الصبيان والبنات فوق التراب، حين افتتح الكبار طقسًا تأبينيًا مهيبًا:
وأنشدوا فأنشدنا معهم:
يا قطار………..يا حبّوب
يا سلاّك دروب دروب
يا ساكن جوّا القلوب
وطال غناؤنا…… وهطلَ مطرَ، ثمّ أُغمِيَ عليَّ.