إنهنّ مغامرات يُراهِنَّ على الفوز من المرحلة المبكّرة. وغاظَ /ليا/ جريُهُنَّ بحماس شرس وأرجل اسنفجيّة لا تعرف الكَلَل، ولا يكاد يُسمع خبْطُها على الإسفلت، أما جسمُها فيهتزّ ويحطّ كشوال من الحنطة المبلولة لا مجال للمقارنة، فهي تشبه بضآلتها غبارًا يدبّ بين قامات عملاقة... هاهنَّ يختفين واحدةً فأخرى.. لكنّ كثيرات تَخَلّفنَ معها عن اللحاق بالغزلان السارحة فعزمت على إكمال السباق لمجرد أنها بَدَأَتْهُ.
تعبَ ذراعاها، فتنبّهت لخطأها في شدّهما للأعلى، وأسدلتهما باستقامة تخلّصًا من بوادر التّصلُب مما تسبّبَ في إبطائها ومَكَّنَ بعضهنّ من تخطّيها قليلًا، أما تلك الصفراء الرامحة فبدأت تبتدع فنونًا في (إلقاء) الأخريات وراء ظهرها مسافةً بالغة. إنها تتلّوى كراية تتناهى إلى الصغر كلما ابتعدت، وتأكدت /ليا/ أنها ستختفي بالمرّة عن الأنظار وستشرب العصير بانتعاش مع المتفرجين حين تفد أول الواصلات فتجد شريط (الشَرَف) مسدلًا على الأرض.
قدّرت /ليا/ المتقدمات عليها بخمسَ عشرةَ لاعبة فيئست تمامًا.
باتَ أقصى رجائها احتلال مركز بينَ العشرة، فقد تنجح في اجتياز بعضهنَّ، ضاعفت سرعتها بلا جدوى فالشارع أمامها يستقيم على حين تلعب المنحنيات دورًا تحريضيًا في إحياء قواها رغمَ القوة النابذة للريح التي تلطم الصدور وتزعزع توازن الخطا. وجفلت لخطىً ترددت قُربها فغالبت ترهُّلَها وفتحت /فنشًا/ لمسافة مئتي متر متنصّلة من الخصمات خلفها.
بدأ الطريق يتمايل بخروج السباق إلى الشرفات الجبلية، فأحسّت /ليا/ باليد السحرية تفك الأثقال عن بطّتي ساقيها، وتحرر وركَيْها من اليباس وقواها من الضمور مع إيقاع جسم ينطلق بخفة تلقائية على قوس جبلي مقداره أربع مئة مترًا، وأيقنت أنّ الحركة السفلية تبدأ من عجزها، وأنّ مَدَاسَها على كعبيها فعَمّها الرضا.. وخلال التعريجات رأت المتسابقات الأوائل متناثرات بين طيّات الهضاب وشعاب الوديان، وعثرت بعد كَدّ على ثلاثة منهنّ في متناول سيطرتها... استماتت لكسر البعد الفاصل، وبجهد خارق ألقت بهن خلفًا، ولم تعجب لتشظيّ أنفاسها واحتقان صدرها، أما ذلك الشعور بالغثيان فطبيعي بعد سرعة فجائيّة...
ودّت /ليا/ لو تطرف بلحظها لتحدد موقعها من المتقدمات علّها تضع تصورًا لمرحلة تالية.. وبرقت في ذهنها تحذيرات مدربّها قاطعةً كسيف:
(لا تلتفتي مقدار إنش إلى أية جهة)