أنهت (ليا) إحماء جسمها فأحسّت به يتّقد كفرن، لكنّ قلبها عادَ يخضخض كعصفور محاصر، وانتبجت مثانتُها،.. هرعت إلى الحمّام، ثم خرجت واطمأنّت إلى جاهزيّتها.. واستوت على خط البداية.
من موضعها تعرفت على البطلة الأولى التي ملأَ حضورها النفوس رهبةً، وتلك التي قاسَمَتْها الفوز، ووجوه واثقة مُعتدّة، ملامح عنيدة وجفصة، فحزرت فشلَها سلفًا.
أزاحَ المدرب عن كاهلِه ما تبقّى من (واجبِه) نحوها موصيًا:
نظّمي التنفّس... /2/ شهيق.. /2/ زفير ....، رَخّي كوعَيكِ، واحني جذعكِ للأمام. الدَّوْس على كامل القدم، وفي السرعة دوسي على الكعبَيْن لا الأمشاط... افتحي (فِنْشًا) ودَوْبلي على القريبات.
لا تلتفتي مقدار (إنش) إلى أية جهة.
-النداء الأخير لسباق خمسة كيلو متر...
انتظمت الفتيات في أرتال متعاضدة وتربُّص عَلَني، وكَوْكَبَتُهنّ النّاغلة تُشبه فُسحة ملغومة تنتظر الانفجار...، أكثر من مرة أُعيدَ إيعاز الاستعداد لشروع بعض الموتورات في الجري قبل شارة الإطلاق.
أحنت /ليا/ جذعها وارتكزت على يُسراها، لا يمكن الآن أن تشعر بتكثّف المادة الحمضيّة أسفل خاصرتها، ولا باختلاج مكوّنات تجويفها البطني أو صفير معدتها. وباتت إيقاعات قلبها خفيفة كأنامل تنقر على دفّ رغم الصوت الجهوري الآمر:
-استعدّ ...
-طاق ...
نشرَ المسدس لسانًا من الدخان فوق الكتلة البشرية الرّامحة، وتدافعت الأرجل على سجادة /التارتان/ تلبط الأرض بعنف وغادرت المتنافسات الملعب إلى الشارع العام للضاحية السكنية.
جارت /ليا/ العداءات سرعةً فقد جرَينَ باستطاعة متوسطة، ولم تبالِ باللواتي جازفنَ بالتقدّم فلا بُدّ أن ينفق /كازُهُنَّ/ قريبًا. ولم تبارحها الرّهبة المقرونة بحضور بطلة يراهن عليها الكّل تمضي بقلب ثابت وعزم واثق يشد جبينها رباط اخضر وَزِيُّها أصفر يبهر الأنظار، ميّزت /ليا/ على ظهره الرقم /80/ وابتأست لمقارنته بزيّها الأسود البغيض ورقمه المنفّر /133/.
على الأرصفة والأسوار، من النوافذ والبوابات والبلاكين أطلَّ الناس على كرنفال رياضي مثير. فناجين القهوة الصباحية على الأكفّ، الغبطة مباحة للجميع والانشراح يوزّع مجانًا على وجوه مكدّرة بمتاعب يوم جديد. وطغى صخب دراجات نارية لعناصر شرطة المرور وعواء جهاز الإنذار في سيارة إسعاف مرافقة.
هُرعت الفتيات في سرب متماسك انشقَّ عنهُ جناح تقدّمَ بوتيرة أسرع.