فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 43

تخيلت شقيقها الأصغر يقرفص على عتبة الدار متلهفًا لرجوعها:

"- هيه...، أحرزت مركزًا؟!"تنفي بهز رأسها وتدخل البيت مكسورة الخاطر..

وعدَ أبوها أن يلحق بها على دراجة هوائية، قد يُجلس أخاها في حُضنه، يا لهُ من (سنفور) لا تشبع قطّ من مصمصة خدّيه وتقبيله بجنون هاتفةً:"-يا سكّر نبات.. يا غَزَل البنات…"

وتمّنت ألاّ يَبّر أبوها بوعدهِ لئلاّ يرى انحطاطها وخِذيانها.

لاحظت /ليا/ أنها تسابق نفسها منذُ وقت ولا تكاد تحسّ بمخلوق، وشعرت برائحة التربة المفلوحة في البساتين وبتوغّل الفلاحين والسّقائين في بحار الخضرة المترامية، واستغربت خلُوّ المنطقة من مراقبي السباق، حتى شرطيي المرور يستمتعون بمواكبة الرياضيّات في المقدمة ولا يبالون بأمر المتأخرات. وعلى عتبة التفاف جديد ميزت انسحاب عدّاءة مرهقة من السباق، إنها بالضبط التي ناصفتها مركزها...

حثَّت خُطاها بحماس، منافساتُها البعيدات يحرصنَ على التّراص في فواصل متقاربة، فأدركت أنّ السباق يدخل مرحلة الكيلو متر الأخيرة، فبعدَ دقائق ستجهد الواحدة منهن لسبق قريناتها بشق الصّدر...

وكأنما بالعدوى...، انهدَّ حَيلُ /ليا/، وفقدت تحكُّمها في جسمها وساقها التأمُّل إلى إهمال ضبط تنفّسها، فوَخَزَها قلبُها ووهنت ركبتاها. إنها تجري اللحظة بمخزونها من التحمّل فيما تتناقص سرعتُها على نحو مخزٍ...

هاجَمَها دوّار فرمشت أهدابُها المثقلة بالعَرَق. وجرعت هَبّة هواء حطّت كحجر على رئتيْها الصغيرتين، ولمّا احتارت بشدة بين متابعة السباق أو الانسحاب...، وساعة أوشكَ الطريق على وداع البساتين ملتفًا إلى مدخل العاصمة حيثُ تشهق منارات الاستاد الرياضي بالارتفاع... انفلتَ من مزرعة قريبة كلب أَحلك من ليل في كهف واندفعَ كأنما ليعدو خلف /ليا/.

لم تؤمن /ليا/ المسكينة خلال أعوامها السبعة عشرَ بصداقة الإنسان للحيوان. وكان شعوران يتناهبانها بصدد هذه المخلوقات: القرف أو الخوف، أحيانًا الاثنين. ولم تستطع ان تفتح صفحة ودّ مع الصيصان والعصافير فكيف الحال مع الكلاب؟!…

إنها تخافُها إلى حدّ الهَلَع وارتعاش الفرائص وتشك بقدرة العلاج النفسي على تهذيب هذا الشعور وفضّ عقدتها (الكلبيّة) .

لا مكان للفرار، ولا أثر لمنقذ أو مُجيب نداء، الساحة مكشوفة لصراع مضمون العواقب..

وامتدَّ الطريق باستقامة...، لا يُجدي إلا الخوض أمامًا...

-عوّ... عو عو عو ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت