هبطت إلى الأرض بوثبة متهورة، دارت حول الصخرة لا يعنيها شيء من أمر الأشواك التي مزّقت (كنار) فستانها. الواجهة اليمينيّة للصخرة تقترب من سياج حديدي صدئ على مشبك من مشابكهِ لاذت الفراشة الياقوتية بالتخفّي بين الصخرة والسياج مسافة ذراع وعيدان شوكية جارحة تسامقت بقاماتها فبدت الفراشة محاصرة مُحرجَة، وتحتَ شمسٍ صاليةٍ توهّجَ ضوءُها فيروزيًّا يخلّب الروح.
مدّت أصابعها رنين. وساعةَ أوشكت تلمس جناح الفراشة المصاب ولدهشتها... خفقت تلك وطارت بعنفوان إلى ناحية أخرى من السياج... اقتلعت الطفلة قضيبًا شوكيًا وظلت تهشّ به على الحشرة الفارّة، ومن فتحة في السياج هربت الفراشة واستقرت على باقة أقحوان تاخمت الأسلاك الشائكة من الجهة المقابلة.
جثت البنت منتظرة. ولّما لم تتحرك الحشرة نبقت برأسها خلال الفتحة المستديرة. ركزت نظرها على الفراشة المتغافلة ولم تَجُسْ بعينيها الأبعاد .... وحين استجرّت باقي جسمها وأفلحت في تخليص إليتها العالقة بالشِّباك... سمعت المخلوقات الغابيّة أسفل الوادي أصداء ضعيفة ممزّقة لصرخة طفليّة تُشبه تناغيم أجراس صغيرة متلاطمة، وكانت كتلة ضئيلة حمراء متذبذبة مترجرجة تطوح إلى هوّةٍ مريعة منساقةً لجذبٍ أرضيّ لا يختلف في قوانينه الفيزيائية عن شُرعة الغاب من حيث حياديّته العمياء للضحية- موضوع التجربة.
ووقتَ توجّسَ قلب الأم من غياب البنت وهَمَّ الصبيان الثلاثة باستدعائها...، وقبلَ أن تتحضّر الأسرة المنكوبة لفاجعتها...
كانت الإجاصة المنهوشة في موضعين لا تنفكّ تستريح على حجر أملس.
ومُزقٌ لقماشٍ أحمر ترفرف على سور شائك مثقوب على بُعد يسير من لافتة صفراء خُطّ عليها
"تجنب الحفر"...
ووحده الله يعلم أين كانت الفراشة الآن.
أما جوقة الفتيان فودّعت الجوع بمقطوعة أخيرة...، ها هي تهمّ بالطعام غافلةً عما يدور هاتفة:
والزّينة طلعت عالبيرْ ... تتشيل من البير الزيرْ
ما بتعرف شو رح بيصير ... بَالّليل يا أسمر بَالّليل
يا بتوقع يا ما بتوقع ... يا بتوقع يا ما بتوقع
جاعل عمرا ما توقع ... بَالّليل يا دادا بَالّليل
اختراق الضاحية
جهدت /لِيَا/ هذا الصباح كي لا تبدو بنفس مزعزعة وهي تستعد لإحماء جسمها بالتمرينات المألوفة، وعبثًا فعلت فخفقان قلبها بلغَ الذروة حين ازدحمَ مضمار الجري بمنافساتها في سباق خمسة الآلاف مترًا.