فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 43

وانبرى والدها يقبّلها مكفّرًا عن (ذنبه) :

-تسلميلي.. يا إجاصة البابا انتِ..

تلوّت في حضنه بعنف، تفلّتت من ذراعيه الحميمتين، وثبت إلى العشب.. كدشت بحنق إجاصتها واستدارت عابسة

عمدت أمها إلى استرضائها:

-العبي قليلًا يا"رنوّ"ريثما يجهز الغداء..

"رنّو"لم تلعب.

بل خاضت في السهب مبتعدة حتى ركنت إلى حجر أملس قرفصت عليه. تأملت بحزن إجاصتها المنهوشة في موضعين وأجهشت في بكاء، حينها.. شرع أبواها يعدان المشاوي والسلطات فيما أولئك البنات"السيئات"في ظنّها يواصلن غناءَهُنّ"الكريه"مع"السيئين"من الصبيان منشدين:

لعيونك يا بو أحمد ... رح ضَلّ وما رَحْ أبْعُدْ

لا تبكي ولا تتنهّد ... باللّيل يا عمري باللّيل

جعْلكْ تتهنّا وتسعد ... جعلك تتهنّا وتسعدْ

ويبلى الشامت والحاسد ... بالويل يا عمري بالويل

وفي الطرف المنفي للأجمة الظليلة لم يعرف الصبية الثلاثة ما جرى للطفلة، ولو عرفوا.. أطلقوا زيزين أو ثلاثة ضبطوهم بعد لأي وعناء، وحضروا لكفكفة دموعها. عندها، سينقفون طلاب المدرسة بالبحص ويسفقون الرمال في عيونهم وأطباق طعامهم مجبريهم على مغادرة المكان إلى حيث لا يزعج أحدٌ"رنّو"أو يضايقها.

دامَ نشيج الطفلة لحظات قبل أن تُنقّل عينيها بحثًا عن ورقة خضراء طرية تمسح بها أنفها وتقطع نسيل المخاط الراعف، ولمّا امتدّت أصابعها الناعمة تتقرّى زهرة جميلة شعّت كياقوتة في طبق من قرنفل ونرجس وأقحوان.. طار تويج الزهرة، ولم يكن حقيقةً إلا فراشة بلغت من روعة التكوين وكمال الصورة ما جعل الطفلة تخرّ على الأرض وتشهق تلقائيًا.

أرادت استقدام أبويها للفرجة، وأقعدها عن ذلك خوفها من فقد الفراشة، وكانت هذه تطبق على الثغور وتمتص رحيق الحب مسافرة من زهرة إلى أخرى، افتتنت رنين بلونها الفوسفوري الأخاذ ونقوش بنّية غريبة التصاميم انطبعت على جناحيها، كما انطبع في عينيها البنفسجيتين حجمها الكبير ووضوح قرني استشعارها.

أُغريت مجددًا بدعوة أبويها.. بابا.. ماما.. تعالا انظرا.

ولجمت صوتها بداعي الحرص على استبقاء الفراشة ومحاولة صيدها وكم تمنّت حضور كيمو وبيرو خصوصًا..، إنهما صيادان بارعان ولولا هذا ما ارتفعت حصيلة زرازيرهما إلى عشرين في وقت قصير، خيالُها المتفائل حدّثها بذلك فقد استرقت السمع إلى أخويها ولم تشِ بهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت