فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 43

تدفقّ الطلاب من الحافلات الصافّة كغزاة تتريين يمجنون إثر غزوة ظافرة، وانفلشوا في المكان ودفوف (انتصاراتهم) تدوّي على إيقاع أغنية رائجة:

لا بَاكُلْ ولا بَشرب ... لا بَاكُل ولا بَشرب

بس اطلّع بعيوني ... باللّيل يا دادا باللّيل

استاء الزوجان. وقبل أن يهمّا بالبحث عن مقيل آخر أفلحَ المشرفون المرافقون -احترامًا لخلوتهما- بترك مسافة فاصلة بين التجمع الطلابي والمستراح العائلي، وما لبثا أن استظرفا الطقس الاحتفالي حولهما، واندغما به.. حتى شفاه"رنين"ترنّمتا بصمت باللحن الأليف:

بيت الشّعر يا عيوني ... بيت الشعر يا عيوني

كلّن راحوا وتركوني ... بالليل يا دادا بالليل

زهدت"رنين"بإجاصتها، ووقفت تهرس بقايا القضمة ببطء بين أسنان مترددة، سلبها المشهد حواسها، دنت من تخوم المحفل البهيج.. غلمان يطبّلون، فتيات يغنّين، جَمعٌ يصفق وجمع يزغرد.. حلقات خجولة للدبكة تتشكل في الوسط، قامات يافعة وخصور مرنة رفيعة تتلوّى في رقص إفرادي.

في صقعٍ من الغابة تغلغل أولادٌ ثلاثة قانعين بتفويت فرصة فرح وإشباع فضول، والبحث عن حشرة محزّزة بأجنحة ضامرة قائم بحماس عند منابت العشب وتجاويف الأشجار وركام القشّ وحواشي التربة المقلوبة.

قال الأب ممازحًا:

-ارقصي معهم يا رنين.. سيُجنّون بكِ

استحت رنين، ابتسمت وهي تلعب أكتافها تأكيدًا لرغبة غير صادقة:

-لا أريد.

واستثيرت الفتيات ببراءة البنت وخفرها، فاختطفنها إلى الحلقة الراقصة، عانقنها، قبلنها بالتناوب، دُُرن بها وتمايلن..

أخلينَ لها الساحة وصفّق الكل مشجعًا مقحمًا مقطعًا مرتجلًا على الأغنية..

نزلت معنا عالساحة ... خدودا بلون التفاحة

شفافا بسكوت وراحة ... بالليل يا حبيّب بالليل

يا بترقص يا ما بترقص ... يا بترقص يا ما بترقص

جاعل عمرا ما ترقص ... بالليل يا حبيّب بالليل

ورفعت رنين ذراعيها الرّيانتين ومعهما الإجاصة، واجتهدت عبثًا لفتل وسطها الممتلئ ولوي خصرها الكربوج يمينًا ويسارًا.. أعادت المحاولة مرات، فتجسدت كدمية معدنية جامدة إلاّ من هزّات مرتبكة متقطعة تحدث كأنما بكبسة زر أو إدارة محور حركي.

وانطلق ضحك خنق الحلاقيم والأنفاس ونكز الخواصر والأكباد..

رُدت رنين إلى أبويها وكانا يشهقان مقهقهين من إخفاقها وانفعالها الرافض للهزيمة.

صاحت مستشعرة فقدان شيء عزيز مع كرامتها:

-الإجاصة

ناولوها الإجاصة الساقطة من يدها في لحظة انكسار وتراخٍ ذليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت