فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 43

(البيجاما) المتآمرة، أمّ الرّقع والفجوتين والأطراف السفلية المهترئة رفضت الاستجابة لكفين خشنتين لم تكفّا لحظة عن شد قماشها المتراخي ولفّه حول الحبل المطاطي علّه يثبت عليه، لكن سرعان ما ينزلق على إيقاع خطّى عجلى فاتحًا (شباكي) عار على اليمين والخلف حتى إذا انزلقت العين للأسفل أبصرت قدمين حافيتين ذواتي أصابع مشعرة وكعبين مطرزين بشقوق غائرة.

الرّيح شمالية غبراء.. بحر هائج من موج نشط لا مرئي يتكسر عند الساعة حيث تتضارب الجهات وتتباعد العمارات الشاهقة مفسحةً مكانًا لإمارة الساحة على المدينة دون منازع.

ما إن حاذى المجنون في سيره مدخل سوق"الصالحية"حتى تشكلت خلفه مسيرة افتتحها المراهقون بالتصفير والتندّر المسفّ، ولحق بالرّكب أطفال تسوّلوا في طرقات البلد أيامًا وعادوا صفر اليدين.

وهبطَ الساحة نزلاء الفنادق الرخيصة الضّجرين، وساهم معظم من مروا (مرور الكرام) في مرافقة موكب الرجل الضليل الذي اشتم رائحة تآمر، فضاعف سرعته هربًا، وضاعفها الماجنون فأدركوه بسهولة.. وقف برهة ملتفتًا حوله بحيرة ومهانة قبل أن يلتقط جريدة وسخة لفّها حول خصره فاشتد التصفير، واحتدّ هتافٌ ولمزٌ خبيث..

وطارت (ناعوسة) المدينة وهي تتابع بعينين مغتبطتين مسير قافلة تهادت خلف قائدٍ تعس على طول شارع الثورة..، وكم سهل في ظرف كهذا أن تتلقى خاصرة البنت قرصة من الرجل المتطفل الذي تركها وشأنها لاحقًا بالآخرين.

وغدا يسيرًا على العجوز أن يختطف بقايا (السندويشات) التي عافها الرجلان في لحاقهما بالمسيرة فمكثت على طاولة قريبة من مدخل المطعم.

وباتت عربة الترمس وحيدة على الرصيف دون أن يفكر أحد بسرقتها.

وعبثت الريح (بالتيورات) المعروضة في محل الأزياء بعد أن خرجت العاملات وأشرعن الأبواب فجعل الغبار يرشق بعنف شاشة الكومبيوتر المسمّر في قسم المحاسبة.

وبقيت البنات الأربع واقفات كشموع مطفأة دون أن يجرؤن على استراق نظرة إلى الرجل الهارب والحشد الماجن خلفه، وتناهت إليهنّ قهقهات مارّة انضموا لشرطي المرور الذي بارحه الهمّ تمامًا وتهلّلت أساريره لطرافة ما يدور.

وختم كثيرون تفكّههم على الرجل بتصاريح موجزة:

-مجنون.. أو سكران.. أو الله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت