آخر ما فعله المجنون ردًا على المهزلة التي ارتكبها مطاردوه ويئس من ردعها: جلوسه على الرصيف..، وبعد أن صوّب نظرة يتيمة ملؤها أسىً إلى وجوه المهرجين الذين التمّوا حولهُ كأنما ليخنقوه.. دس يدهُ في كُمّهِ وأخرج شيئًا كالخبز وشرعَ يأكل بأناةٍ وهدوء..، ولم يرفع رأسهُ بعدها.
عدلت البنات الأربع عن التسوّق، وذهبن كلٌ في ناحية.. واخترتُ- وكنتُ إحداهُنّ- طريقًا إلى مطبعة أعرفُها.
فكرّتُ خلال سيري بموضوعية أن يكون المرء (مجنونًا) أو (ثملًا) أو منحلًا أخلاقيًا، ويجهد في الوقت ذاتهِ لستر عُريه عن الناس. واهتديت إلى اعتقاد مفادُهُ أنّ الأحكام التي تصدر عن البشر بوصفهم حيوانات (عاقلة) .. قلّما تتسم بالتبصر والعقلانية. وحتى لو أُدينَ المجنون بهذا الداء أو سواه فهل كان صعبًا على تجّار الأقمشة والألبسة الجديدة أو المستعملة أن يهبوا خرقةً أو منشفة أو ذراع قماش أو ثوبًا باليًا يُداري سوأة سكّير أو مخبول أو مختلّ أخلاق؟!
في /18/ شباط 1999، لم أكن أعلم أنني والحزن على موعد، فيما تنطرب مدينتي، ويهلّل أهلها ويهزجون لمرأى غريب جهد لمواراة عاره عن أنظار الناس وشماتاتهم.
جاش الحزن نقمةً عارمة في صدري، فاقتحمت المطبعة كلصوص البنوك. بعد شرح دهش له الحاضرون، مكثت وقتًا ثم غادرت وبيدي رزمة أوراق رحتُ ألصقها على الجدران..
قرأ بعض الناس المنشور ونظر إليّ بغرابة، وثمّة من أومى إليّ ليستفسر عن أمر، وآخرون تهامسوا، وكثيرون بدؤوا يتعقبوني في تقدّمي الحثيث بمنشوري عبر أحياء المدينة.
قد تتشكّل في إثري مسيرة أو يُقال أني مجنونة أو ثملة أو الله أعلم.
مع هذا شعرت بهدوء حميم عمّني في ختام يوم عاصف إثر لصقي للورقة الأخيرة وكانَ كتب عليها:
"عموم آل بني آدم بأصولهم وفروعهم، من كل مكان وزمان بأنسابهم المعمّرة في التاريخ والمستحدثة فيه، وألقابهم المتجذّرة في أحشائه والعالقة على جلده."
ينعون إليكم بروع لا يدانيه روع.. موت فقيدكم الذي لا يعوّض:
الزمان
الوقت أضيق من أن تُقام معازي أو تُقبل تعازي
الوقت وقت احتضار
فليحمل كلٌ منكم فأسًا فيحفر قبرهُ بيديه..، وجميعكم.. ناسًا كنتم أم غير ناس، ملائكة أو قطاع طرق، أحياء أو شبههم، موتى أو ما يعادلهم..
وزمنكم معكم إلى بارئكم عائدون"."
الفراشة والبنت
-بابا.. أُريد إجاصة
كرذاذ بلّور تحت شمس الظهيرة برقت عينا الأب بوميضٍ حانٍ:
-خذي يا روح بابا.