فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 43

كان يمضي قاطعًا الشارع بقلق ظاهر، وتوتر يائس.. وجهه أحمر منمش، شعره أجعد تدلّت خصلاته شعثاء على جبهة عريضة وعنق ثخين.. واتصل سالفاه بلحية قذرة اتفقت مع حاجبين غليظين وملامح خشنة على إحياء مشهد لإنسان الحضارات الأولى.

على باب الحديقة.. توقف ابن بائع الترمس عن قرط الحبّات الصفر، ووثب إلى كتف أبيه الذي ابتعد به مسافة خمسين مترًا لمعاينة المشهد عن قرب.

وكفّ المراهقون غلاظاتهم عن حسناوات محل الأزياء عابرين الشارع بحماس أعمى، مسابقين حركة المرور الخطرة وصولًا إلى الساحة حيث يمضي المجنون هاربًا.

العجوز المركون على باب المطعم تلقى المشهد ولم يعه مباشرةً.. ثم أجفل فاستقام على عكّازه بصعوبة، ممعنًا النظر في الطرف المقابل ماسحًا جفنيه المحمّرين بطرف شاله.

ودهشَ الرجلان النّهمان فعافا الطعام ولاحقا عابر الطريق بعيون هازئة..

على الرصيف الدائري ما عاد شرطي المرور يبالي بمخالفات السير وانجرف مع آخرين في تَتبُّع حدث فريد.

وعلى رصيف السينما الذي يبعد أمتارًا عن (الدراما الحيّة) انقطع الرجل المشبوه عن التحرش بالبنت وأمها، وهاتان انشغلتا عن الباص وعن التذمر من الرجل مع أنه اقترب وحاذاهما..

فالكلّ متأثر بعدوى القطيع، منجذب بقوى قسرية لرصد عُري رجل يعبر قلب المدينة في معمع عاصفة.

أربعُ البنات انزوين جانبًا.. غضضن الأبصار حياءً وشفقة، توقفن عن السير في انتظار اختفاء (المجنون) من الشارع خلافًا للحافلات التي أبطأت سرعتها لتواكب محنة عابر السبيل فتأخذ نصيبها من الانشراح والفرجة.

تابع المجنون سيرًا لا يحسد عليه وسط الشارع متحاشيًا الدنو من الرصيف اليميني حيث احتشد الناس، واستطالت قاماتهم خلف المرأة والبنت والرجل المريب.. واهتدى وهو يمضي قدمًا إلى فكرة تسعفه من حيرة وعار، فانحرف صوب الحديقة الطولانية الفاصلة بين شطري الشارع، هناك، ينأى عن (المتفرجين) وتتكفل شجيرات النخيل العتيقة داخل السياج الحدائقي بحجبه قليلًا عن الرجال الثلاثة الواقفين عند المطعم ومن انضم لهم من مشيعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت